الثلاثاء، 18 فبراير 2014

شهر رمضان في غدامس عام 1845 من خلال مدونات الرحالة ريتشاردسن


نشر في العدد 11من صحيفة افاق اثرية الصادر في اغسطس 2012



شهر رمضان في غدامس عام 1845
من خلال مدونات الرحالة ريتشاردسن



لا يزال الصوم في شهر رمضان يلفت انتباه الاجانب الذين احتكوا بالمسلمين سواء في بلادهم ام الذين زاروا البلاد الاسلامية خلال ذلك الشهر ، واغلبهم يستغربون قدرة المسلمين وصبرهم على الصوم من الفجر الى المغرب بدون اكل وشرب طيلة شهر كاملا ، اي رمضان هذا الاسم الذي دخل اللغات الاجنبية معادلا لكلمة الصوم ، وان كان هذا الحال في عصرنا هذا ، فما انطباع الرحالة الاجانب الذين زاروا ليبيا في القرن التاسع عشر وتركوا بعض الانطباعات عن هذا الشهر الفضيل ، ومن خلال مدونات اولئك الرحالة يعد ما سجله الرحالة البريطاني جيمس ريتشاردسن اول مستكشف للصحراء الكبرى (1809-1851) من ملاحظات حول رمضان افضل ما كتب عن ذلك الشهر مقارنة بما سجله بقية الرحالة ، و ملاحظات ريتشاردسن عن رمضان في غدامس تنطبق على بقية المدن الليبية ولاسيما انها توضح نظرة الاوربيين للصوم في رمضان من الناحية الدينية اكثر من نواح اخرى .   
لقد وصل ريتشاردسن الى غدامس بعد 23 يوما من مغادرته مدينة طرابلس وتحديدا يوم 26/8/1845 ومكث بها ثلاثة اشهر كاملة حيث غادرها منطلقا الى غات في 26/11/1845 وتعد هذه الفترة اطول مدة يقضيها اجنبي في واحة غدامس ومن ثم فهو افضل من كتب عنها في القرن التاسع عشر ، وتعد ملاحظاته وانطباعاته عن المدينة مصدرا مهما لمعرفة احوال المدينة آنذاك سياسيا و اقتصاديا واجتماعيا و عمرانيا وغيرها و التي نشرت عام 1849 في كتابه " Travels in the Great Desert of Sahara, in the Years of 1845 and 1846" الذي ترجمه د. الهادي ابولقمة الى العربية باسم " ترحال في الصحراء ".
 ومن الناحية الدينية سجل بعض الانطباعات عن الاسلام وما يفعله اهل غدامس من شعائر دينية كالصلاة والصوم ، وقد كان متحيزا لديانته اي المسيحية ومتعصبا لها بل ان من  اهداف رحلته نشر المسيحية بين الطوارق وسكان الصحراء حيث يلاحظ انه كان بحوزته انجيل مترجم الى العربية كان يعرضه على بعض المسلمين لنشر المسيحية بينهم ، كما انه انهمك في ترجمة الانجيل الى اللغة التارقية بواسطة احد سكان غدامس لينشره بين الطوارق لكن خاب ظنه وفشل مسعاه حيث انه كثيرا ما قدم الانجيل المترجم الى العربية الى بعض اصدقائه من السكان لقراءة بعض فقراته الا انهم لم يهتموا حتى بمجرد فتحه وفقا لما يذكره.
اما عن انطباعات ريتشاردسن حول شهر رمضان والصوم  في غدامس فيمكن اجمالها في الاتي: لقد مكث هذا الرحالة اسبوعا في غدامس قبل ان يبدأ شهر رمضان الذي وافق اول ايامه 4/9/1845 م ، ويشير الى انه في الليلة السابقة طٌلب من اهالي غدامس الصوم بعد ان ثبت رؤية هلال رمضان ، ربما كان هذا من خلال اوامر القاضي الشرعي الذي قابله ريتشاردسن وحضر مجلسه في شهر رمضان ، وبمناسبة بداية الشهر اطلقت بعض الاعيرة النارية ، كما انه يشير الى انه بعد مجيء قافلة من طرابلس بعد ايام اتضح ان بداية رمضان كانت في اليوم السابق لصيام اهل غدامس اي 3/9/1845  ، ويستغرب ريتشاردسن ان اهالي المدينة كانوا دائما يسألونه منذ ان اعلن قدوم شهر رمضان هل سيصوم مثلهم ام لا ، وكان جوابه الصمت غالبا ، الا ان اهالي غدامس لم يقبلوا ان يكون بينهم مسيحي لا يشاركهم الصوم في رمضان وقد تعرض ريتشاردسن للاهانة عندما شرب من قربة ماء معلقة في الميدان امام اعين احدى السيدات التي صرخت عندما رأته يفعل ذلك فما كان منه الا ان هرب الى منزله مسرعا ، وقد كان يتظاهر بالصوم امام السكان لتجنب غضبهم.
ويبدو ان معلوماته عن الصوم قد نقلها من قراءاته عن الاسلام و من مشاهداته وسؤال بعض سكان الواحة اي غدامس ، فهو يشير الى عدم جواز الصوم لمن تقل اعمارهم عن 13 عاما وكأنه يقصد هنا سن البلوغ عند الذكور ، ويشير الى ان سن الصوم لا تتعدى 8 سنوات وفقا لرؤية بعضهم وربما يقصد سن البلوغ للاناث التي قد تكون مبكرة في المناطق الصحراوية ، ويشير الى ان المسلمين غير ملزمين بالصوم ولكن بشرط تأديته مرة اخرى ، وان مدة الصوم مابين 29-30 يوما وفقا لرؤية الهلال.
ولاحظ ريتشاردسن في اول ايام شهر الصوم ان شوارع غدامس كانت خالية من المارة حيث لايزال التاس نياما او ملتزمين بالبقاء في منازلهم ، وهذا امر طبيعي بسبب شدة الحرارة في فصل الصيف  وعندما سأل الرايس التركي حول هذا الشأن اجابه انه لايدوم الا يوم واحد حتى يعتاد الناس على الصوم ، وهو يشكر ربه لانه ولد مسيحيا و غير مجبر على الصوم الذي عده يؤثر على صحة الانسان وقد اخبره المترجم ان الناس بسبب الصوم يتحولوا الى شبه مجانين ، ويبدو ان ما نقله عن المترجم لم يكن بهذه الصورة ، كما انه اخطأ عندما عد الصوم يؤثر سلبا على صحة الانسان و الامر خلاف ذلك  (صوموا تصحوا).
وعندما زار الرايس في ظهيرة ذلك اليوم وجده صائما ومجهدا لانه كان مدخنا حيث كان الغليون قل ان يفارق فمه في الايام العادية ، وقد بعث الرايس اليه في المساء وجبة دسمة بما فيها حساء الشوربة ، وقد اعتاد الرايس ان يرسل اليه الوجبات طيلة شهر رمضان ، و قد لاحظ ريتشاردسن ان اول ايام رمضان كأنه ليلة عيد عند السكان . وعنده ان الصوم ظاهرة عامة فالشيوخ و الشباب و الاغنياء و الفقراء و ذي الشأن و العامة كلهم صائمون ويشير الى ان هناك مشاعر دينية قوية تصاحب الصوم ، كما انه يستحيل وجود شخص واحد في سني الصوم غير صائم . و قد كانت نظرة ريتشاردسن للصوم نظرة مادية وليست روحية فهو يشير الى ان الصوم باطل مادام الناس يأكلون في الليل وينامون معظم النهار مقارنة اياهم ببعض المسيحيين الذين يصومون عن الاكل ليلا ونهارا ، وهو هنا اعتقد في اليوم الاول ان الناس يقضون نهارهم في النوم عندما وجد الشوارع خالية ولكنه في اليوم الثاني يذكر انه قابل عدد كبير من المارة في الشوارع وبدون ان تظهر على وجوههم آثار الصوم كما كان يتوقع ، وقد اقام الرايس في ثان شهر رمضان بمنزله حفلا دينيا تليت فيه ايات من القرآن الكريم حضره  ريتشاردسن ، وقد استغرب كيف ان الاهالي المرضى  لم يتقبلوا تناول الدواء اثناء الصوم حتى لو كان في ذلك انقاذ حياتهم ، حيث رفض رجلا يعاني من الرمد معالجته نهارا خشية تسرب القطرة الى معدته ومن ثم سينتهك حرمة الشهر . وقد التقى ريتشاردسن احد الفقهاء الذي اشار اليه لوقت السحور وهي الفترة التي يستطيع الانسان ان يأكل فيها قبل طلوع الفجر او الامساك الذي يتزامن مع تمييز الخيط الابيض من الخيط الاسود ، وان تحديد وقت الامساك كان على عاتق الفقهاء الذي ذكر له احدهم انه يمكن تحديده بسهولة في المناطق السهلية حيث لا توجد معوقات تمنع رؤية الافق مقارنة بالمناطق التي تحيطها المرتفعات.  وقد لاحظ ريتشاردسن ان سكان غدامس في رمضان وفي غيره من الشهور كانوا يحرصون على جمع قصاصات الورق الملقاة على الارض واخفائها تجنبا وخوفا من احتوائها على اسم الجلالة . وقد لاحظ ان الجزارين كانت وظيفتهم ليس بيع اللحم بل ذبح وتقسيم الشاة التي يشترك في شرائها  عادة 4 او 8 اشخاص  وهم بارعين في عملية التقسيم بدون ميزان. واشار الى ان حبات التمر كانت اول شيء ينهي به الصائمون يومهم بعد سماع آذان المغرب تليها جرعات الماء مع تكرار الدعاء و التسبيح بحمد الله حتى  يؤدون صلاة المغرب و لاسيما الرجال في المسجد ثم يرجعون لتناول ما اعد لهم من طعام في بيوتهم. وقد لاحظ ان بعض العبيد و ان كانوا يصومون الا انهم لا يصلون و لا يذهبون الى المسجد الا نادرا مستشهدا على ذلك بخادمه. وقد صادف في ذلك الشهر ان فرض باشا طرابلس  محمد امين مزيدا من الضرائب على سكان غدامس بحجة انهم لم يساعدوا حملة الباشا لاستعادة الجنوب الليبي واعادته الى سيادة الدولة العثمانية ، ولتجميع هذه الغرامة المالية نزعت حلي النساء وعرضت بيوت الكثيرين للبيع ، وقد حشد الغدامسيون نسائهم واولادهم في شوارع المدينة  امام موظف الضرائب لانقاص مبلغ الغرامة ،  وقد ادت هذه الغرامة الى سوء حال المدينة في شهر رمضان . كما يشير الى ان هناك احتفالات دينية كانت تقام بمناسبة ليلة القدر يقوم بها العبيد حيث يمرحون ويرقصون ويغنون مرتدين ملابس زاهية ويتفرج السكان على اولئك العبيد برقصاتهم الرائعة. وقد وافق اخر يوم في رمضان الثاني من شهر اكتوبر (التمور) بعد رؤية هلال العيد في اليوم التاسع والعشرين من رمضان ، وهذا يعني الاحتفال بالعيد وهي مناسبة تقام فيها حفلات الزواج ايضا ، والعيد الصغير الذي اشار اليه ريتشاردسن بهذا الاسم لاحظ ان السكان الذين قدموا اليه مهنئين بهذه المناسبة كانوا يرتدون ملابس جديدة خاصة بالعيد  ويبدو الابتهاج على وجوههم ، وجرت العادة ان يحلقون شعورهم مجانا بحيث يتبادولون التحليق لبعضهم ، واشار الى ان المسلمين الملتزمين منهم  لا يأكلون شيئا حتى يفرغون من صلاة العيد التي تنتهي قبل الظهر بقليل ، وقد كانت المساجد تزين بالاعلام ذات اللون القرمزي و الاصفر و الاخضر ، ويجتمع اهل البلد عند الرايس للتهنئة ، ومن مظاهر احتفالات العيد حفلات الرقص التي يقوم بها العبيد طيلة اليوم وتنتهي بالادعية ، واستمرت الاحتفالات في اليوم الثاني حيث شاهد ريتشاردسن الجميع يلهون بالمراجيح التي كانت تربط بين النخيل وكانت من اهم وسائل الترفيه في المدينة ، وبسبب الاحوال الاقتصادية السيئة في غدامس فان اغلب الناس كانوا يقتاتون بالبازين والتمر بسبب استيلاء الاتراك على جل ممتلكاتهم.
وفي الختام هذه اهم ما دونه الرحالة البريطاني جيمس رتشاردسن عام 1845 من ملاحظات ومشاهدات عن رمضان والعيد في مدينة غدامس والتي من المؤكد لا تختلف عما يحدث في المدن الليبية الاخرى في اطاره العام ، و هذه الشهادة المشبعة بالتعصب من مسيحي يحاول نشر المسيحية منتقدا الاسلام وتعاليمه كلما سنحت له الفرصة وهذا ليس غريبا عن الرحالة الاجانب بصورة عامة ، كما ان ملاحظاته موجهة في الاساس الى بني جلدته حيث كان كتابه في الاساس موجها لهم متحدثا فيه عن بقاع و شعوب كانوا يجهلونها تماما.    

مصلحة الآثار بين تحديات الواقع وآفاق المستقبل


نشر في العدد 15 من صحيفة افاق اثرية الصادر في اكتوبر 2013 



مصلحة الآثار بين تحديات الواقع وآفاق المستقبل

 لا مشاحة ان الايطاليين هم من وضع اساس التنقيب عن الآثار في ليبيا على الرغم من وجود اهداف استعمارية كانت وراء اهتمامهم بالآثار الكلاسيكية ، حيث اسس الايطاليون في عام 1912 ادارة تختص بالآثار اخذت على عاتقها التنقيب في المواقع الأثرية ، وبالفعل افلحت هذه الادارة حتى عام 1942 بالكشف عن الكثير من المواقع والمعالم الأثرية وترميمها وانشاء المتاحف وتكوين الكوادر القادرة على الاعتناء بالآثار من حيث الحماية والتنقيب والترميم والدراسة ، كما اهتمت الادارة العسكرية البريطانية عند هيمنتها على البلاد بالآثار وتعاونت مع الخبراء الايطاليين في ادارة الآثار على الرغم المعاناة التي شهدها هذا القطاع خلال الحرب العالمية الثانية ، وعند استقلال ليبيا اواخر عام 1951 استمرت ادارة تدار كما في السابق بأيدٍ اجنبية ايطالية و انجليزية ،  ودعيت البعثات الاجنبية للكشف عن الآثار في ليبيا وما زالت مستمرة حتى الان ، وفي ستينيات القرن العشرين بدأ إحلال العناصر المحلية بدلاً من الاجنبية في ادارة مصلحة الآثار. وازدهرت هذه المصلحة في نهاية الستينيات وخلال السبعينيات ثم انتكست مثل غيرها من القطاعات الخدمية الاخرى في الدولة الليبية بسبب سياسات المقبور وابنائه وتدخلهم في ادارة الموروث الثقافي بشكل او بآخر.
وبعد ثورة 17 فبراير 2011 حدثت بالمصلحة مشاكل داخلية  انعكست على عملها  وادارتها للموروث الثقافي  الذي عانى من سلبيات الانفلات الامني التي مرت بها ليبيا بعد تلك الثورة ، حيث سرق ما يعرف باسم كنز بنغازي من المصرف التجاري الوطني وهي من اضخم السرقات التي اصابت الموروث الثقافي الليبي ، ونهبت قطع اثرية من متحف سوسة ، وجرفت بقايا كنيسة في عين خارقة قرب البيضاء ، ودمر موقع اثري جنوب دريانة ، واعتدي على آثار منطقة القصيبة قرب الفعكات في ضواحي بنغازي ، ودمرت مقابر اثرية في السلماني ، واستولي على مرافق تابعة لمصلحة الآثار في طلميثة وشحات ، وسرق ثم حرق المقر الاداري لمراقبة آثار بنغازي ، واعتدي على مقابر الجغبوب الأثرية ، كما ان حرب التحرير انعكست على بعض المواقع الأثرية والمتاحف في سرت ومصراتة وبني وليد ، كما عانت بعض الاضرحة الأثرية  الاسلامية وما يرتبط بها من تدمير وعبث والدولة وقفت تشاهد هذا المشهد العبثي بدون تدخل. وفي ظل عدم توفر الاجهزة الامنية الفاعلة جرت محاولات للاعتداء على سيرة الجمل وموقع بلجراي في البيضاء ، وشاهدنا الكثير من مخططات الاراضي  لم تراعِ المواقع الأثرية التي توجد داخلها لعل آخرها ما حدث في شحات خلال هذا الشهر حيث اقيم مخطط ضخم داخل الجبانة الأثرية الجنوبية في جنوب شرق المدينة الأثرية ازيلت على اثره الكثير من المقابر الأثرية وقنوات المياه وغيرها من الآثار التي وجدت اثناء عملية الجرف ، كما راج بين ضعاف النفوس التنقيب غير القانوني في بعض المواقع الأثري والحصول على مقتنيات أثرية اصبحت تباع في الداخل او تهرب الى خارج ليبيا ، وهذا يفسر سرقة تمثالين من متحف صبراتة استرجعا فيما بعد. و ادت هذه الظروف الى اغلاق المتاحف على الرغم ان بعضها اعيد افتتاحه بعد الثورة مثل متحف سوسة والمتحف الوطني بطرابلس.
وفي ظل هذه المعوقات والسلبيات التي زادتها سوءا قدم الهيكلية التي تشتغل بها مصلحة الآثار واعتمادها على المركزية المفرطة في ادارة الموروث الثقافي على الرغم من عظم الرقعة الجغرافية التي تنتشر بها المواقع الأثرية ، كما اصبحت المركزية من اكبر العوائق في ادارة شؤون المراقبات والمكاتب الأثرية التابعة لها ، و هذا لم يمنع المصلحة سواء على مستوى المراقبات او ديوان المصلحة من القيام بجهود جبارة خففت من حدة السلبيات الناتجة عن التدهور الامني خلال الثورة وما بعدها فقد قام الكثير من الباحثين والموظفين و الحراس بجهود ملموسة لحماية الموروث الثقافي خلال تلك الفترة ، وحاولت المصلحة ان تسير قدما بالعمل الأثري فقامت بحفريات اثرية ليبية بعد الثورة ، وحاولت حماية المتاحف والمواقع الأثرية بمجهوداتها الذاتية وبالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني و الجهات الامنية النشطة التي استوعبت الثوار ، إضافة الى أن جل العاملين في قطاع الآثار كان لهم دورا كبيرا يشكرون عليه. كما اعادت بعض البعثات الاجنبية عملها في ليبيا مثل البعثة الايطالية والفرنسية واليابانية والانجليزية لكنها توقفت هذا العام بعد تدهور الوضع الامني ، كما اهتمت مصلحة الآثار بمجال التدريب لباحثيها وعناصرها الفنية واسهمت البعثة الامريكية بدور بارز في هذا الشأن ، كما اوفدت بعضهم في دورات تدريبية خارجية، وقامت المصلحة في خطوة غير مسبوقة بتعيين 202 عنصرا ليبي بين باحثين وتخصصات اخرى ، وربطت المصلحة نفسها مع الهيئات الدولية  حيث اقيمت عدة ندوات بإشراف اليونسكو لحماية الآثار ، واستعمال التقنيات الحديثة في العمل الأثري ، زد على ذلك ايجاد هيكلية جديدة للمصلحة بالتعاون مع البنك الدولي ، واسترجعت بعض التماثيل من اوروبة كانت منهوبة من متاحف ليبية في التسعينيات  وهكذا سارت الامور دون ان تهتم حكومة الكيب بما يجري في مصلحة الآثار ولم تدعمها ، اما حكومة زيدان فقد عملت خيرا بضم المصلحة الى وزارة الثقافة التي يترأسها احد المختصين في علم الآثار ، وقد دعمت هذه الوزارة المصلحة رغم نقص الامكانات المادية ، ولم تتفهم حكومة زيدان والمؤتمر الوطني العام بشكل عملي ما يعانيه قطاع الآثار حيث صدمت الوزارة الأثريين والمثقفين بقرارها الاخير بتحويل متحف ليبيا الى مقر للمجلس الاعلى للقضاء هذا القرار الذي يفهم منه ان الحكومة لا تعرف بوجود هذا المتحف اصلا ، كما لم تتأخذ تلك الحكومة اي اجراء تنفيذي بعد تناهى الى سمعها جرف جزء من آثار مدينة شحات. 
هذا هو واقع مصلحة الآثار التي تحدى العاملون بها الكثير من المصاعب وواجهوا الكثير من التحديات التي واكبت حرب التحرير ،  وفي ظل ثقافة مجتمعية لا تعير الآثار اهتمامها ظهرت موجة الاستحواذ على قطع الاراضي ثم بيعها و لو كان هذا على حساب المواقع الأثرية ، لكن الامل ما زال يحذوا الأثريين في اعادة تشكيل قطاع الآثار بهيكلية جديدة بدعم من الدولة الليبية ومؤسسات المجتمع المدني وتوفير حماية للمواقع الأثرية والمتاحف، على ان ترتب المصلحة بيتها الداخلي بالمضي قدما في تدريب كوادرها و الاهتمام بالترميم اكثر من التنقيب في العشر سنوات القادمة ، وفتح آفاق جديدة في التنقيب عن الآثار مستقبلا ، والاهتمام بتوعية المواطنين ، والضرب بيد من حديد على منتهكي المواقع الأثرية بعد اصدار قانون جديد تشدد فيه العقوبات ، واستخدام التقنيات الحديثة  لتأهيل جيل جديد من الأثريين بإقامة دورات تحت اسم اثري المستقبل يؤهل من خلالها كل اثري وفقا لآخر ما توصل اليه علم الآثار ، مع التذكير انه يجب ان يكون هناك تكامل او تنسق بين ما يُدرّس في اقسام الآثار وبين احتياجات العمل الأثري في المصلحة للنهوض بالموروث الثقافي وحمايته.