الاثنين، 10 فبراير 2014

حفريات جديدة في مدينة سرت الإسلامية


نشرت المقالة في العدد 4-5 من صحيفة افاق اثرية الصادر في ديسمبر 2011



حفريات جديدة في مدينة سرت الإسلامية
ترجمة أ. خالد محمد الهدار

قبل قراءة النص:
تجدر الإشارة إلى أن المقصود بمدينة سرت الإسلامية هنا يختلف عن موقع مدينة سرت الحالية فهي تبعد عنها  مسافة 55 كم غربا ، وهي قريبة من قرية سلطان التي تقع للشرق منها  بمسافة 5 كم ، وعرف هذا الموقع محليا باسم المدْيّنة أي تصغير لكلمة مدينة، هذا الموقع الذي شغلته قرية كاراكس الفينقية ثم إسكينا الرومانية التي عرفت في العصر البيزنطي باسم سرتيس ومنها أطلق عليها العرب اسم سرت،أما سرت الحالية فقد كانت تعرف باسم يوفرانتا ثم ماكومادس (مغمداس عند الرحالة المسلمين)، وبعد نهاية سرت الإسلامية أصبح اسمها يطلق على كامل المنطقة، وعندما بنى الأتراك قلعة في سرت الحالية في مرسى الزعفران عام 1842 عرفت باسم قصر الزعفران ثم باسم قصر سرت، ومن هنا جاءت تسمية سرت التي يختلف موقعها عن مدينة سرت الإسلامية.وقبل أن تبدأ حفريات البعثة الفرنسية بها عام 2007 بإشراف د.جون ميشيل موتو  شهدت المدينة أعمال ميدانية أهمها: حفريات مصلحة الآثار بواسطة أ. عبدالحميد عبدالسيد ما بين 1963-1964 ،و د. محمد مصطفى ما بين 1965-1966 ثم حفريات جمعية الدراسات الليبية في لندن بالتعاون مع مصلحة الآثار باشرا ف د. قيزا فيهرافاري وأ.مسعود شقلوف  ما بين 1977-1981.
النص:
يعد عام 2007 علامة بارزة في أعمال البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا حيث انطلق أول موسم حفريات في مدينة سرت الإسلامية، وسبق أن ألقيت عدة محاضرات عن تاريخ ليبيا اختصت بفتح الجيوش العربية لها ، وأخرى ركزت على مدينة طرابلس ، وموضوع الحملات العسكرية التي قادها قراقوش على ليبيا زمن الأيوبيين. ولكن هذه المرة الأولى التي تعقد بها عدة جلسات علمية في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في مجال العلوم التاريخية واللغوية  (EPHE) في جامعة السوربون تركز على التاريخ والآثار الإسلامية في ليبيا على وجه الخصوص قدم فيها تقرير أولي عن الموسمين الأول والثاني من الحفريات التي أجريت في أغسطس 2007 و ابريل 2008.  
تتوسط مدينة سرت الإسلامية (55 كم شرق سرت الحالية) الساحل الليبي عند حافة خليج سرت حيث تبعد 600 كم للشرق من مدينة طرابلس ، ومن ناحية أخرى  تبعد 600 متر عن البحر المتوسط الذي تطل عليه ، لهذه المدينة سور بيضوي يحيط بها ويطوق أكثر من 18 هكتارا، والمدينة تظهر اليوم على هيأة مساحة كبيرة جدرانها منهارة وهذا يرجع إلى أن اغلب مبانيها كانت مادة بنائها الرئيسة الطوب اللبن الذي انهار أو تكوم على نفسه. لم يبرز من المدينة إلا بعض المعالم المتبقية أو التي كشف عنها مثل المسجد الكبير، وبقايا سور المدينة وأيضا بعض التلال المرتفعة قليلا عن سطح الأرض ، والتي عرفت تحت اسم الحصن الجنوبي الشرقي والحصن الجنوبي الغربي.
أسست مدينة سرت عند بداية الفتح العربي لليبيا في عام 644 م بواسطة عمر بن العاص الذي قرر أن يضع حامية عسكرية قرب المدينة الرومانية القديمة التي تسمى اسكينا والتي بقاياها لا تزال بارزة للعيان وذلك للغرب من موقع سرت الإسلامية. غير إن المدينة يبدو أنها لم تعرف التطور والازدهار إلا في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين ، وذلك في الوقت الذي أصبحت فيه محطة بين المشرق والمغرب وسوق أو منفذ ترتاده القوافل القادمة من جنوب الصحراء. وعندما حاول الفاطميون  فتح مصر عن طريق تونس (افريقية) جعلوا سرت نقطة ارتكاز عسكرية ومكان لتزويد جيشهم بالمؤن والماء. ومن ثم فان سرت كانت محطة أساسية في فتح مصر بواسطة الفاطميين عام 969 م. أما عن سبب هجر الموقع فإن الفرضية الأكثر شيوعا  في تفسير ذلك هو تدميرها بواسطة قبيلة بني هلال العربية في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي حيث استفاد الهلاليين من إهمال الفاطميين لهذا الموقع العسكري بعد فتحهم لمصر، واستغلوا الصراع القائم بين الفاطميين والزيريين في تونس وسيطروا على سرت.  وعلى الرغم من هذا فان المدينة استمر ذكرها في كتب جغرافي ورحالة القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وأيضا أشار إليها ليو الإفريقي (الحسن الوزان) في بداية القرن السادس عشر وذكر إنها كانت مدمرة، وهنا يجب إن نتحدث بيقين عن الانهيار البطيء والطويل زمنيا لمدينة سرت عوضا عن هجرها المفاجئ .
كما تعد مدينة سرت احد المواقع الأثرية الإسلامية الرئيسة في ليبيا، وهي في الواقع أول موقع اثري إسلامي أجريت به حفريات في هذه البلاد منذ عام 1963 بواسطة مصلحة الآثار. تركزت تلك الحفائر على المسجد الكبير الذي كان المعلم الوحيد البارز فوق سطح الأرض ، إضافة إلى بقايا سور المدينة، وعلى بوابتي المدينة الواقعتان في الشمال والشمال الغربي منها. غير أن الحفريات الأكثر أهمية والأفضل توثيقا هي التي أجرتها البعثة الانجليزية ما بين 1977-1981 تحت إشراف قيزا فيهرافاري. التي نتج عنها رسم أول مخطط دقيق للموقع ، كما إن الحفريات في المسجد الكبير قدمت تسلسل تاريخي دقيق لهذا المبنى الرئيسي.
لقد اقترحت البعثة التي انطلقت عام 2007 بالقيام بدراسة عامة للموقع لتحديد فترة استيطان المدينة بدقة، وتحديد وظيفة مبانيها بدقة أيضا (المباني العسكرية و التجارية .. الخ) ، إضافة إلى عمل مسح علمي شامل لما بداخل أسوار المدينة، وهذا أدى إلى جرد أكثر من 300 مبنى اثري (مسجد ، حصون ، 37 صهريج ..الخ)، وفي الوقت نفسه فان دراسة طبوغرافية الموقع أدت إلى رسم خارطة جديدة لسرت حيث حددت فيها الأسوار التي كانت أجزاء منها غير مؤكدة أو غير واضحة. ولقد وضّح هذا المخطط  إن الأحياء السكنية الصناعية كانت أكثر تركزا في النصف الشمالي من المدينة في شكل تنظيم حضري واضح حيث خمنت أماكن بعض المخططات  مثل الشوارع والأزقة ، بينما النصف الجنوبي يبدو انه اقل بكثير من حيث كثافة الاستيطان، فهذا الجزء يشاهد كأنه خالي من المباني تقريبا لاسيما قرب الأسوار. وهناك خط من الآبار بعضها يرتبط بأحواض، يبدو إنها كانت تفصل جزئي المدينة عن بعضهما.
كما أدى المسح العلمي الذي اجري على مسافة 500 متر من الأسوار من الخارج إلى تقديم معطيات ومعلومات جديدة تماما. ومنها إن إطراف المدينة كانت مشغولة بالعديد من المواقع الجنائزية (المقابر) مبعثرة نسبيا، والتي ظهرت في شكل قبر أو مكان جنائزي بُني من الداخل بأحجار وضعت فوق بعضها دون مونة تربط بينها، لوحظ من بينها وجود أحجار مشذبة لاسيما عند مكان الرأس، غير أن الاكتشاف الأكثر أهمية حدثت في الناحية الشمالية الشرقية من المدينة حيث لوحظ وجود 50 حفرة مستديرة بحجم واحد ، هذه الحفر يحيط بها إطار مرتفع من الطين اللبن يبدو أن بعضها كان يرتبط بوظيفة صناعية : حيث يبدو إنها  تتعلق بأحواض مشيدة بالطين اللبن تستعمل لإعمال الصباغة أو الدباغة.
واتضح من الحفريات التي أجريت في عام 2008 على احد حصني المدينة والمقصود هنا الحصن الجنوبي الغربي ، انه يأخذ شكل شبه منحرف بطول 66 متر وبعرض 43 متر وهو محاط بخندق من الخارج. يوجد في مركز هذا الحصن ثبة مساحتها حوالي 15 مترا مربعا تسيطر على هذا المكان ، وتبين من الحفريات إن هذه الثبة تمثل احد الأبراج المربعة التي كانت قائمة على أساسات حجرية بسمك 1.50 مترا ، ومن حيث جداره فقد كان مختلط ما بين الحجارة والطين اللبن حيث يصل ارتفاع الجدار الحجري إلى اقل من 1.70 مترا ثم يعلوه الجدار الطيني. وقد سمح لنا التحليل بواسطة الكربون 14 بالقول إن هذا المكان ظل مستخدما حتى القرن الرابع عشر الميلادي. وقد أجريت عدة مقارنات بينه وبين أبراج دفاعية إسلامية من ريف بلنسية باسبانيا التي كانت أيضا مربعة الشكل وجدرانها الطينية أقيمت على أساسات حجرية. مع ذلك فان برج سرت إبعاده كبيرة ، و يعكس هذا الاختلاف في الإبعاد ربما الوظيفة الدفاعية والرمزية لهذه الأبراج، ومن الضروري إن نضيف انه كان لسرت  وظيفة سكنية وتخزينية.
ولقد أدت نتائج الموسمين الأولين من التنقيب في سرت من تزويدنا بمعطيات جديدة عمقت معرفتنا بهذه المدينة، فيما يخص الوظائف الحضرية للمدينة اتضح إن سرت كانت مدينة عسكرية في المقام الأول في سرت. حيث يبدو أن الموقع الذي شغله الحصن الشمالي الشرقي والحصن الجنوبي الغربي في المدينة قد لعب دورا أساسيا  في النسيج الحضري للمدينة. كما إن اكتشاف الحفر المستديرة في شمال المدينة التي سيبدأ في التنقيب في أحداها موسم 2009  أشار أيضا إلى إن سرت  من غير شك ليست منفذ أو ميناء للتصدير لأحد طرق القوافل فحسب  ولكن مركز رئيسي للإنتاج أيضا. ويبدو بشكل واضح إن هذه المدينة لم تهجر بشكل مفاجئ بعد احتلالها من قبل قبائل بني هلال في منتصف القرن الحادي عشر حيث استمر الاستيطان بها حتى القرن الرابع عشر . وهذا يدفع أيضا إلى التساؤل إذا كان العامل الرئيسي لهجر المدينة ليس بسبب المناخ . غير أن كثرة الصهاريج وما ذكرته بعض الكتابات عن تخزينها لمياه الأمطار يتناقض مع قلة سقوط الأمطار حاليا، وهذا يعكس كونها تقع في إقليم غاية في الجفاف. 



 


حفريات في حصن القريات الغربية

نشرت المقالة في العدد 4-5 من صحيفة افاق اثرية الصادر في ديسمبر 2011



حفريات في حصن القريات الغربية 2009-2010



اشتهرت منطقة القريات الغربية التي تقع حوالي 280 كم للجنوب من طرابلس عند الأثريين بأنها موقع أحد الحصون الرومانية التي تشكل جزء من منطقة الحدود أو التخوم الطرابلسية (limes Tripoltanus) التي تمتد من غدامس مرورا بالقريات وصولا إلى بونجيم ، وفي هذه المراكز الدفاعية الثلاث أسس الإمبراطور سبتموس سفيروس وأبنائه حصون لتكون مقرا للجنود الرومان المدافعين عن منطقة المدن الثلاث من الناحية الجنوبية ،  وإذا كان حصن ابونجيم (جولايا) قد شهد اهتماما كبيرا منذ السبعينيات وظهرت نتائج الحفريات التي أجريت به تباعا، غير أن حصن غدامس والقريات لم يشهدا اي اهتمام إلا في فترة متأخرة حيث بدأت جمعية الدراسات الليبية مشروعا لدراسة آثار غدامس مع مطلع عام 2011 ، أما حصن القريات فعلى الرغم من اهتمام جودتشايلد به منذ الخمسينيات  ثم ديرك ويلسبي في بداية الثمانينات إلا إن الحفريات الفعلية لم تبدأ إلا ما بين 2009 -2010عن طريق بعثة ألمانية من المعهد الأثري للأقاليم الرومانية بجامعة ميونخ بإشراف الأستاذ ميشيل ماكونزين، وهذا التأخر بسبب موقعه الجغرافي الصعب ووجوده في منطقة خالية. لقد استعملت هذه البعثة تقنيات حديثة في أعمال الحفر والمسح الأثري وأعمال التوثيق المتنوعة توصلت على أثرها إلى بعض النتائج المهمة تعد إضافة إلى ما كتبه جودتشايلد ثم ولسبي.
ويمكن تقديم بعض المعلومات عن هذا الحصن الذي يعد اكبر حصون التخوم الطرابلسية إذ أن أبعاده 128 × 176 مترا ، وقد استغل خلال الفترة ما بين 201-238 م مقرا لحوالي 800 عسكري من الفيلق الاغسطي الثالث القادم من لامبيز في الجزائر ، وتأكد من العملة التي عثر عليها إن الحصن قد استمر استغلاله عسكريا حتى 275-280 م، و لا يختلف هذا الحصن عن الحصون الرومانية الأخرى من حيث التخطيط فهو مستطيل تحيط به الأسوار من جميع الجهات وتخترق هذه الأسوار أربع بوابات كل بوابة يحيط بها برجان يتواجد بها الجنود للحراسة والمراقبة والدفاع عن الحصن ، وللأسف فأن الكثير من معالم هذا الحصن من أسوار وأبراج قد انهارت بسبب العوامل الطبيعية وبسبب إقامة بعض الليبيين قريتهم في ذات المكان واستغلال أحجار الحصن لبناء مساكنهم الظاهرة بقاياها حتى الآن، وعلى الرغم من هذا فان بعض أبراج الحصن ما تزال باقية ترتفع فوق سطح الأرض بارتفاع حوالي 8.30 مترا، ولعل ابرز ما بقى من هذا الحصن بوابته الشرقية التي تعد المدخل الرئيسي والتي يحيط بها برجان خماسية الأضلاع ، وهي في عمومها لا تختلف عن مثيلتها في حصن لامبيز ، ويبدو إن البرج الجنوبي لهذه البوابة قبل تهدمه كان على ثلاث طوابق ويصل ارتفاعه إلى حوالي 12.50 مترا، وعند هذه البوابة عثر على قاعدة تمثال أعيد استخدامها وتحمل نقشا لاتينيا أشار إلى الفيلق الاغسطي المقيم بالحصن وأيضا إلى اسم قائد الحصن المدعو قائد المائة ايليوس كريسسنتيوس ، إضافة إلى ظهور ثلاثة حروف من الاسم الذي كان يعرف به هذا الحصن الذي يبدأ بـ ميد..  (MYD…) ، كما أشير النقش إلى إن التمثال كان مكرسا إلى جوليا مامايا بمناسبة ارتقاء ابنها الإمبراطور الروماني الاسكندر سفيروس للعرش في عام 222م. ومن ناحية أخرى من الصعب تتبع التفاصيل الداخلية لأجزاء الحصن بسبب وجود مساكن الليبيين التي بنيت ما بعد العصر البيزنطي والتي دمرت المباني التي توجد داخل الحصن إلا انه تم التعرف على مقرات الجنود التي اغلبها دمر أسفل المنازل المحلية التي بنيت أعلاها. وخارج الحصن اتضح من خلال المسح وجود محجر في الجهة الشمالية الشرقية من الحصن ، إضافة إلى وجود ثلاث معابد أعلى ثبة للشرق من المحجر السابق ، ومن خلال دراسة الفخار والعملة التي عثر عليها هناك اتضح إن منطقة المعابد والحصن أيضا استمر في الاستعمال مدنيا من 360 /380 إلى حوالي عام 540 م. و ربما عاد للحصن وظيفته العسكرية بعد غارات قبائل الاوسترياني في القرن الرابع حيث استقرت به وحدة عسكرية استمرت حتى حوالي منتصف القرن الخامس. كما انه يرجح إنه بعد عام 455 اي بعد سيطرة الوندال على الإقليم الطرابلسي (المدن الثلاث) كان الحصن مقرا لأحد شيوخ القبائل المحلية التي كانت تسيطر قبيلته وتراقب طريق القوافل المتجهة إلى فزان. والحفريات المستقبلية من المؤكد انه تضيف على هذا الحصن الروماني.

مدينة بيرنيكي الأثرية (بنغازي) Berenice


نشرت المقالة في العدد  9 من صحيفة افاق اثرية الصادر في مايو2012



مدينة بيرنيكي الأثرية (بنغازي)
الحلقة الأولى: في الكشف عن آثارها
أ‌.       خالد محمد الهدار

 سبقت الإشارة في دراسة سابقة نشرت في صحيفة آفاق أثرية (العدد 5) إن مدينة يوسبريديس هجرت لأسباب سياسية وتقرر أن ينقل سكانها إلى موقع آخر في مكان ليس بعيد عن المدينة الأولى ، المدينة الجديدة أطلق عليها تسمية بيرنيكي نسبة إلى الملكة بيرنيكي زوجة بطليموس الثالث وابنة ماجاس حاكم إقليم كيرينايكي(شرق ليبيا)، وربما عرفت في البداية باسم يوسبريديس ايضاً فهذا سترابون في القرن الأول ق.م. يذكر ميناء يوسبريديس، ويشير للمدينة الجديدة باسم بيرنيكي، وهذا يؤكد ان الميناء كان بعيدا أو مختلفا عن المدينة السكنية ، وهذا يُذّكر بما قاله سكيلاكس عندما فرق بين يوسيريديس المدينة ومينائها، كما إن الجغرافي بطليموس في القرن الثاني الميلادي يشير اليها باسم بيرنيكي او يوسبريديس ، عموما الاسم الشائع هو بيرنيكي فهذا الجغرافي سولينوس (عاش في القرن الثالث الميلادي) يشير إلى أن الملكة بيرنيكي قد منحت اسمها لهذه المدينة كما قامت بتحصينها، و عثر فاتيه دو بورفيل (القنصل الفرنسي في بنغازي عام 1847) في مقابر السلماني على ابريق فخاري لسكب القرابين صورت عليه الملكة بيرنيكي مع نقش اسمها عليه (حاليا في المكتبة الوطنية بباريس) مما يؤكد تكريمها وعبادتها من قبل سكان هذه المدينة (سيتحدث عن ذلك تفصيلا في الحلقة الثانية).
يشير سترابون في كتابه الجغرافيا ان بيرنيكي بنيت على رأس بحري أطلق عليه اسم بسيدوبينياس (YeudopeniaV) وهي بالفعل كذلك حيث أثبتت المكتشافات الأثرية امتداد هذه المدينة على لسان صخري يمتد بمحاذاة شاطيء البحر من منطقة سيدي خريبيش إلى ضريح عمر المختار ومن الفندق البلدي إلى الميناء، يحد هذه المساحة الصخرية المياه من عدة جهات حيث البحر من الشمال والغرب وسبخة السلماني من الجنوب الشرقي، وفي الشتاء تتحول المنطقة الصخرية إلى جزيرة تحيط بها المياه من جميع الجهات بسبب الفيضانات بحيث تتداخل مياه السبخات مع مياه البحر مشكلة طوقا على المدينة.
وقد هجرت مدينة بيرنيكي بعد استيطانها بواسطة العرب المسلمين عدة قرون وتحديدا في القرن الحادي عشر هذه المدينة التي عرفت عندهم كمنطقة باسم برنيق حيث ذكرها ياقوت الحموي والإدريسي بهذا الاسم، وقد ادى هجرها إلى تدمير معالمها بل واختفائها لاسيما بعد إعادة الاستقرار في المدينة منذ القرن الرابع عشر وبناء بنغازي العثمانية على اغلب أنقاض مدينة بيرنيكي الأثرية، وقد أدت أعمال البناء تلك إلى اكتشافات بالمصادفة عكست الأهمية الأثرية لهذه المدينة، ومن أقدمها ما أشار إليه الأسير الفرنسي الجراح جيرار (عاش في ليبيا أسيرا ما بين 1668-1675) إن صديقه الأسير الفرنسي جان دو ايتوال الذي كان في بنغازي عام 1672 قد كان شاهدا على العثور على تمثال رخامي لسيدة (ارتفاعه 2.59 مترا) قرب مدخل القلعة التركية (كانت تقع عند إدارة ميناء بنغازي وسينما بيرنيتشي) والتي أزيلت ما بين 1912-1926، التمثال الرخامي الذي ربما يكون رومانيا هشّم بفعل من وجدوه من الأهالي، وعلى الرغم من هذا فهو دليل على امتداد المدينة إلى منطقة الميناء. وبعد عشرين عاما من هذه الواقعة وتحديدا في نهاية 1692 أو بداية 1693 عثر على تمثال آخر لسيدة رومانية (بارتفاع  1.94 مترا) يؤرخ بأواخر القرن الثاني الميلادي وذلك عند بناء منزل القاضي ، وقد نقل التمثال إلى فرنسا عام 1695 ليستقر في قصر فرساي ثم في متحف اللوفر وما زال معروضا هناك، والمنزل المشار إليه يقع ضمن نطاق شارع عمر المختار و مسجد عصمان اي داخل حدود مدينة بيرنيكي الأثرية.
 وفي عشرينيات القرن الثامن عشر عثر على نقشين ينسبان إلى الجالية اليهودية في بيرنيكي في العصر الروماني نقلا إلى جنوب فرنسا حيث يعرض أحداهما في متحف سان ريمون في تولوز والآخر في متحف كاربنتراس ، ولا يعرف مكان العثور عليهما في بنغازي، إلا أنهما قدما معلومات جد مهمة عن يهود بيرنيكي في القرن الأول الميلادي وأشار النقشان إلى وجود مبنى في المدينة يسمى امفثياتير لم يكشف عنه حتى الان (سيأتي الحديث مفصلا عن هذين النقشين في الحلقة الثانية). وقد لاحظ الطبيب الايطالي اغسطينو تشرفللي الذي زار بنغازي عام 1812  انه في  بنغازي توجد آثار مدينة قديمة تبدو واضحة على طول الشاطئ تطغى عليها الأمواج عند هيجان البحر وحينما تنحسر عنها المياه فان العرب واليهود يسارعون إلى التنقيب ما بين الآثار حيث يعثرون على العملات القديمة والأحجار الكريمة المنقوشة (Gems) وهي ذات المنطقة التي جمع منها القنصل انريكو روسوني المقتنيات نفسها بشهادة الرحالة الطبيب الايطالي دي لا شيلا عام 1817، والمنطقة المشار إليها هي منطقة سيدي خريبيش من جهة البحر.
 وفي خارج حدود المدينة السكنية ونقصد هنا المقابر في منطقة السلماني حيث تحصل القناصل الأجانب مثل فاتيه دو بورفيل عام 1847 و فرنسيس ويري عام 1856 و فردريك كرو عام 1860 وجورج دينس  1865-1868 على كميات كبيرة من المقتنيات الأثرية التي تعرض حاليا في متحف اللوفر والمتحف البريطاني. وفي عام 1902 عثر الأهالي في السلماني على تمثال افروديت اشتراه منهم الطبيب بيرود الذي نقله إلى أوروبة وحاليا يعرض في متحف جامعة بانسلفانيا في أمريكا. وأثناء رحلة ريتشارد نورتون إلى بنغازي وشرق ليبيا رفقة اوريك بيتس وآخرين في ابريل عام 1909 اشترى من ألماني مقيم في بنغازي لوحة رخامية تحمل نقش إغريقي من العصر البيزنطي وأهداه إلى الأكاديمية الأمريكية في روما، ربما ينسب هذا النقش إلى الكنيسة البيزنطية في بيرنيكي. وفي 28 ابريل من العام نفسه زار نورتون واوريك بيتس مزرعة ايطالي  يدعى كارميلو كالّيا على مسافة 5 اميال جنوب شرق بنغازي (الفويهات حاليا) وجدوا بها ثلاثة تماثيل رومانية (القرن الثاني – الثالث الميلادي) لاشكال مدثرات بملابس وبدون رؤوس قاموا بالتقاط صورة لها، توجد تلك التماثيل حاليا في شحات (ارتفاعها 1.83 ، 1.82 ، 1.75 مترا)، والواقع إن تلك التماثيل عثر عليها احد الليبيين في صهريج منزل في الفندق او قربه ، وتحصل عليها ذلك الايطالي ونقلها إلى مزرعته في الفويهات ثم باعها إلى الحكومة الايطالية حوالي عام 1913. كما أشار بيتس إلى إنهم عند زيارتهم للقنصل الانجليزي جونس وجدوا عنده نصب حجري عليه نقش ، وشاهد قبر به نحت بارز لسيدة ربما تحمل قيثارة قاموا بتصويرهما. كما انه عند زيارة الأثري الانجليزي توماس آشبي لبنغازي في مايو 1910 التقط صور لبعض النقوش و المنحوتات كانت في القنصلية البريطانية في بنغازي والتي كان من بينها تلك التي شاهدها بيتس قبله بعام.
و توالت الاكتشافات الأثرية بعد الاحتلال الايطالي لتؤكد أهمية مدينة بيرنيكي والتي تزامنت مع حركة البناء والتعمير التي قام بها الايطاليون في المدينة ففي عام 1912 عثر قرب مستشفى الجمهورية على مقتنيات تعود إلى معبد مكرس لمؤله الطب اسكلبيوس عرضت في متحف بنغازي الذي أنشاؤه الايطاليون نهاية عام 1912 قرب عمارة شركة ليبيا للتأمين حاليا. كما بدأ الايطاليون في حفرياتهم عام 1913 في شارع المفلوقة في منطقة سيدي حسين والتي تمخض عنها اكتشاف عدد كبير من المقابر الهلنيستية والرومانية عرضت مقتنياتها في متحف بنغازي ولا يعرف مصيرها حاليا ، كما عثر في عام 1914 عند تهديم القلعة التركية على كنز من العملة البرونزية عددها 100 قطعة ، (سرقت من المصرف التجاري الوطني عام 2011) ، و في الفترة نفسها هناك أرضية فسيفسائية عثر عليها في مكان ما بين سيدي خريبيش والميناء ضاعت واشار اليها غيزلانزوني عام 1915 ، كما عثر على لوحة عليها نحوت بارزة ملونة في الصابري او قرب السور الايطالي عام 1915 ،  وأثناء تطوير وإعادة بناء بلدية بنغازي عام 1923 عثر أرضية فسيفسائية وأساسات مباني ورأس تمثال للإمبراطور الروماني تيبريوس الموجود في شحات حاليا (ع.29 سم). وعندما قرر الايطاليون التوسع في البناء بمنطقة شارع عمر المختار (شارع روما سابقا) كان لزاما عليهم إزالة مقبرة سيدي الشابي في عام 1932 ونتج عن تلك الأعمال العثور على منطقة أثرية تمثلت في منزل أو منازل مزودة بأرضيات فسيفسائية لم تبق إلا صورها منها منزل نسب إلى شخص يدعى ليون وجد اسمه منقوشا على إحدى الأرضيات الفسيفسائية، وقد ضاعت تلك المعالم الأثرية بسبب بناء عمارة مصرف التوفير في شارع عمر المختار (مقر المصرف العقاري قبل انتقاله)،وعند بناء المنارة الايطالية في منطقة سيدي خريبيش عام 1935 عثر على أرضية فسيفسائية لم تتوفر عليها اية معلومات ، إضافة إلى حفريات في مقابر منطقة سيدي حسين ما بين 1933-1934 ، وعند بناء عمارة التأمين سابقا المطلة على شارع عمر المختار وشارع عمر بن خطاب أي فيا تورينو عام 1940 عثر على أرضية من الفسيفساء نقلت إلى شحات لم يبق منها إلا بعض اللوحات وكانت مزينة بمشهد أسطوري تمثل في إحدى النيردات (حورية بحر) تمتطي وحشا بحريا. إضافة إلى العثور على كنز عملات متكون من 1500 قطعة في شارع عمر المختار  نقلت إلى شحات وهي تؤرخ ما بين العصر الفلافي وعصر هادريان. وفي الفترة نفسها عثر على نقش على لوح رخامي معاد استخدامه في جدار أثري عند بناء قصر ماجنزا في شارع عمر المختار، يشير النقش إلى أسماء المتبرعين الذين اسهموا في ترميم كنيس اليهود بالمدينة في عام 56 م زمن حكم الإمبراطور نيرون، النقش ضاع أثناء الحرب العالمية الثانية.
وتلك الاكتشافات تؤكد وجود مدينة بيرنيكي لكن للأسف لم تحافظ عليها السلطات الايطالية واختفت آثار بيرنيكي اسفل شارع عمر المختار، وعندما كتب جودتشايلد كتابه (بنغازي قصة مدينة) عام 1962 توقع أن توجد أفضل بقايا مدينة بيرنيكي أسفل جبانة سيدي خريبيش وما توقعه جودتشايلد أثبتته الحفريات فيما بعد فمنذ عام 1965 بدأت تظهر بعض المعالم الأثرية في تلك الجبانة بعد البدء في أعمال تنظيف بها حيث كشف عن أرضيتين من الفسيفساء عند مدخل المقبرة نقلت إلى مدينة توكرة، إضافة إلى بعض اللقى الأخرى منها مصابيح رومانية أشار إليها جونس و ليتل عام 1971 . وكاد الموقع أن يضيع بعد أن قررت بلدية بنغازي إزالة الجبانة بالكامل وتسويتها وشق طريق بها عام 1971، وبعد بدء العمل بدأت تظهر بعض المعالم الأثرية مما أدى إلى تدخل مصلحة الآثار لإيقاف العمل والبدء في الحفريات التي بدأت في صيف ذلك العمل بإشراف الحسيني وعبدالحميد عبدالسيد، إلا إن حجم العمل أدى إلى الاستعانة بجمعية الدراسات الليبية في لندن التي أرسلت مجموعة من الخبراء على رأسهم جون رايلي وديفيد براون الذين بمساعدة مصلحة الآثار التي وفرت العمالة والمشرفين على الحفريات مثل عبدالسيد ومسعود شقلوف وعلي لترك استطاعوا القيام بحفريات إنقاذية استطاعت إنقاذ هذا الموقع الأثري واثبات أثريته لبلدية بنغازي التي كانت تهدد دائما بتدميره وإزالته ، وقد أجريت تلك الحفريات خلال سنتين من العمل المتواصل بين سبتمبر 1971 إلى خريف 1973، كما أجريت حفريات محدودة في موسمي 1974-1975. وقد شارك في إدارة الحفريات تاتون براون وجون لويد،ومجموعة من الخبراء أخذت على عاتقها دراسة المقتنيات الأثرية من عملة ونقوش وفخار رفيع وفخار خشن ومصابيح وفسيفساء وغيرها والتي صدرت في شكل دراسات علمية واطروحات للدكتوراه مما اعطى لهذه الحفريات الإنقاذية أهمية كبيرة في مجال الدراسات الأثرية في العصرين الهلنيستي والروماني وبداية  العصر البيزنطي. وهذه الحفريات كشفت عن الكثير من معالم مدينة بيرنيكي منذ القرن الثاني ق.م مرورا بالعصر الروماني فالبيزنطي ثم الاستيطان العربي الإسلامي لها حتى القرن الحادي عشر الميلادي، وعكست هذه المباني والطبقات الأثرية جزء من تاريخ هذه المدينة الذي كان صعبا في ظل عدم ذكر بيرنيكي في الكثير من المصادر القديمة. وقد توقفت الحفريات بهذا الموقع الأثري على الرغم من إن الجزء الشرقي من مرتفع سيدي خريبيش لم تطله الحفريات ويحتاج إلى مواصلة العمل في تلك الجهة لمعرفة توسع المدينة ناحية الشرق، وتجدر الإشارة إلى مجموعة من الباحثين من مراقبة آثار بنغازي قامت في نهاية ثمانينات القرن العشرين بعمل حفريات لم تنشر نتائجها حتى الان.يضاف إلى ذلك الحفريات التي أجريت في مقابر السلماني وسيدي حسين بواسطة باحثي مراقبة الآثار سيأتي الحديث عنها في مقام آخر. وفي عام 1991 عثر على تمثال رخامي من مجموعة ديونيسيوس وساتير خارج الحدود الحالية للموقع الأثري في سيدي خريبيش وهذا دليل آخر إن الموقع مستمرا خارج السور المقام حول موقع سيدي خريبيش ،وممكن أعمال البناء والبنية التحتية تكشف مستقبلا عن بعض البقايا الأثرية التي تعود إلى مدينة بيرنيكي لذا ينبغي الحذر ومراقبة هذه المنطقة جيدا عند إجراء أعمال حفر وصيانة بها.




المراجع:
بازامة، محمد ، مدينة بنغازي عبر التاريخ ، دار ليبيا : 1968.
 جودتشايلد، ر. ، تاريخ مدينة بنغازي ، ترجمة صالح جبريل ، ط2 ، بنغازي :2003.
De Ridder , A .Catalogue Des Vase Peints De La Bibaliotheque Nationale , Paris:1902.
Ghislanzoni,  Notiziario Archeologico , Anno I. Fasc.I-II (1915)pp.71-102.
Laronde, A." D. Girard et la Cyrénaïque le regard d′un captif français en Barbarie " Quaderni di Archeologia della Libia,18 (2003)
Laronde, A.Cyrene et La Libye Hellenistique  Paris:1987
Lloyd, J. (ed) Excavations at Sidi Khrebish , Benghazi (Berenice), Vol.1,Supplements to Libya Antiqua, 5 (1977).
Michaelides, D., Excavations at Sidi Khrebish, Benghazi (Berenice). Vol.IV. 1, The Mosaics and Marble Floors, Supplements to Libya Antiqua 5, Tripoli, 1998,
Reynolds, J.M. “Inscriptions”. In J.Lloyd (ed) Excavations at Sidi Khrebish , Benghazi (Berenice), Vol.1,Supplements to Libya Antiqua, 5 (1977)pp.244-254.
Rosenbaum, E.Cyrenaican Portrait Sculpture, (London:1960).
Roux, J.et G. “Un Decret du Politeuma des Juifs de Berenike en Cyrenaique au Musee Lapidaire de Carpentras “REG.62(1949)pp.281-283.
Uhlenbrock ,J.P. ‘’The Cyrene Papers: the second report. The Oric Bates Expedition of 1909’’ Libyan Studies  30(1999) p.77-97.