الأحد، 28 سبتمبر، 2008

مدينة قرزة الاثرية


تقع قرزة على خط طول 14.33 درجة شرقا وعلى خط عرض 30.57 درجة شمالا ، وعلى مسافة 130 كم من خليج السدرة و 250 كم جنوب شرق طرابلس في المنطقة المعروفة باسم ماقبل الصحراء التي تنتشر بها مجموعة من الاودية شهدت منطقة استيطان وحضارة ليبية مزدهرة اثناء الاستعمار الروماني للمناطق الساحلية من منطقة المدن الثلاث (لبده واويا وصبراته).وتقع مستوطنة قرزة جنوب غرب وادي زمزم بمسافة 10 كم شمال وادي صغير يحمل اسم قرزة ، وتشكل هذه المدينة او المستوطنة راس المثلث الذي يتكون من ثلاثة مواقع اثرية مهمة هي قرزة و بونجيم والقريات الغربية، وتعد قرزة من اهم المستوطنات الليبية في منطقة ما قبل الصحراء في العصر الروماني و لا تكمن اهميتها بسبب الحالة الجيدة لاثارها التي لم تتعرض للدمار بسبب جفاف الجو وهجر المدينة ونظرا للاساطير التي حاكها السكان المحليون حولها مما ادى الى عدم حدوث استقرار بها في العصر الحديث كل هذا ساعد على بقاء اثارها بحالة جيدة ، ولكن تكمن اهميتها في المنحوتات البارزة التي تزخرف الكثير من عمائرها والتي تعكس الحضارة الليبية القديمة في ازهى صورها ، زد على ذلك الحفريات و المسوحات المنظمة التي اجريت بالمدينة بواسطة بروجان و سميث في الخمسينيات من هذا القرن والتي تمخض عنها عمل علمي متكامل نشر عن تلك المدينة.

بنيت هذه المستوطنة على جزء مرتفع من الضفة اليسرى من وادى قرزة وتمتد مبانيها وبقايا عمائرها على مساحة تقدر بحوالي 500 × 300 متر ، كما استغل مستوطني قرزة 122 هكتار من الاراضي الزراعية في الوادي لتأمين حياتهم المعيشية والاقتصادية . وقد دلت اعمال المسح والتحري بهذا الموقع على وجود عدد كبير من المباني من اهمها اربعيون مبنى تقريبا منها ستة حصون كبيرة لعل ابرزها الحصنان رقم 31 و 34 اللذان يقعان في منتصف المنطقة السكنية تحيط بهما حصون اخرى اصغر منها حجما من بينها منازل صغيرة وكبيرة يتفاوت عدد حجراتها من حجرة الى ست حجرات ، ومعبد وثني يحمل رقم 32، كما توجد بالمدينة خمس جبانات منها جبانتان رئيسيتان تنتشر بهما اعداد كبيرة من القبور وطرز متعددة لعل من اهمها اربعة عشر ضريحا (قبر تذكاري) تقع سبعة منها في الجبانة رقم 4 وسميت بالمقبرة الشمالية وهي تقع على الطرف الجنوبي من المستوطنة غير بعيدة عن الحي السكني ، وتقع بقية الاضرحة وعددها سبعة في الجبانة رقم 3 بعيدة عن المستوطنة في الجانب المقابل لوادي قرزة وسميت بالمقبرة الجنوبية .

لقد دلت النقوش التي عثر عليها بهذه المستوطنة سواء الليبية ام اللاتينية – البونيقية ان قرزة كانت مركزا كبيرا لبعض القبائل الليبية المتأثرة بالحضارة الكلاسيكية في اواخر العصر الروماني وتحديدا ما بين أواخر القرن الثالث و أوائل القرن السادس الميلادي وان هذه المستوطنة في اصولها الاولى تعد مستوطنة زراعية للسكان المحليين اكثر من كونها مستوطنة رسمية للجنود المزارعين ام المسرحين من الجيش الروماني ثم اصبحت لها مكانة عسكرية مميزة الى جانب حصنا بونجيم والقريات الغربية يدل على ذلك انتشار الحصون والقلاع العسكرية بها . كما تم الاستيطان بقرزة ايضا في العصر الاسلامي وتحديدا ما بين القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد استدل على ذلك من خلال الخزف والعملة الاسلامية التي عثر عليها في المعبد الوثني (المبنى رقم 32)الذي يظهر انه حوٌل الى منزل في العصر الفاطمي . و لقد تميزت الاضرحة التذكارية بمجموعة من اللوحات المنحوتة نحتا بارزا ، وقد تم نهب مجموعة منها ونقلت الى اسطنبول لتعرض في متحفها الاثري منذ القرن التاسع عشر.