الاثنين، 10 فبراير، 2014

من روائع متحف شحات : رأس المؤله زيوس



 نشرت المقالة في العدد  9 من صحيفة افاق اثرية الصادر في مايو2012

من روائع متحف شحات : رأس المؤله زيوس



عثر على هذا المنحوت الرائع خلال الحفريات التي بدأها الايطالي جياكمو قويدي في شهر فيراير من عام 1926 في معبد زيوس الذي اطلق عليه سميث وبورتشر اثناء تنقيبهما به عام 1861 المعبد الكبير ، ولم يستكمل العمل بها ، وعندما بدأ قويدي في استكمال الجزء غير المنقب من السيلا عثر على بعض النقوش المهمة وعلى هذا المنحوت مكسورا الى اكثر من 100 كسرة او شظية رخامية ، تبين بعد عملية ترميم صعبة انه يمثل رأس تمثال للمؤله الاغريقي زيوس ، وربما بفضل هذا الرأس نسب المعبد الى زيوس ، ومن خلال دراسة قويدي له في العدد الاول من مجلة (Africa Italiana) الصادر عام 1927 فان مقاساته 38 سم ارتفاعا و 17.2 عرضا ويعد من اجمل منحوتات مدينة كيريني (شحات) ومازال محتفظا ببعض الالوان التي كانت تزينه، ويشير قويدي انه نسخة رومانية من تمثال زيوس الاولمبي وانها ترجع الى القرن الثاني الميلادي، ويشير جودتشايلد الى انه كان جزءا من تمثال زيوس قبل شغب اليهود عام 115 م. ويبدو انه ظل مستخدما في المعبد الذي اجريت عليها ترميمات في عهد ماركوس اوريليوس (ما بين 172-175م) وفي عهد كومودوس (ما بين 192-195م) واستبدل آنذاك تمثال العبادة السابق بتمثال ضخم لزيوس دمر فيما بعد، ويرجح ان مسيحيي المدينة قاموا بتهشيم هذا الرأس الى شظايا صغيرة في القرن الرابع الميلادي، اما بقية التمثال فربما حولته الافران الى جير.


ما بعد الحفريات الأثرية



 نشرت المقالة في العدد  9 من صحيفة افاق اثرية الصادر في مايو2012

ما بعد الحفريات الأثرية....

تُعد الحفريات الأثرية جزءاً مهماً من علم الآثار فعن طريقها يتم الكشف عن الآثار وإظهارها للعيان بعد أن كانت مختفية تحت سطح الأرض، وهذا يتطلب عملية جد معقدة بقواعد علمية تطورت بتطور الحفريات عبر الزمن وبجهود بشرية متخصصة وغير متخصصة وبتمويل مالي كبير، وجرت العادة أن يبدأ التنقيب عن الآثار بأعمال المسح الأثري ثم الأعمال المساحية المتنوعة ورسم الخرائط للموقع وتقسيمه إلى مربعات أو مستطيلات وعمل الإحداثيات المناسبة للموقع التي تساعد في أعمال التوثيق ، ولقد سهلّت التقنية الحديثة بما وفرته من أجهزة وبرامج يسّرت تلك الأعمال المسحية والمساحية، وبعدها يأتي دور تحديد أماكن الحفر التي تختار وفقا لمعطيات معينة أهمها الشواهد الأثرية التي قد تكون بارزة فوق سطح الأرض أو تجمع مجموعة من الفخار أو اللقى مما يدفع المنقب لاختيار موقع بعينه ، وبعد تحديد آماكن الحفر ، تبدأ عملية الحفر المعتمدة على القوى البشرية وعلى المعول والمسطارين والجاروف مع المراقبة من قبل الأثريين لما تكشف عنه أعمال الحفر والكشط وإزالة الردميات وتسجيلهم للملاحظات من تغير للون التربة وظهور الأساسات وغيرها من الظواهر مع الحرص على تسجيل المحتويات والطبقات الأثرية ووضع أرقام لها وتجميع ما يعثر عليه من لقى مع تسجيل لمواقعها والحرص على جمعها والمحافظة عليها حتى تعالج في مكان معالجة اللقى الأثرية،وهكذا تستمر الحفريات وتتطور وقد تستغرق عدة سنوات بحيث انه عند نهاية كل موسم يكون رئيس الحفريات قد سجل جميع الملاحظات عن الحفريات بالتعاون مع مشرفي الحفريات ومعالج اللقى وبعض المتخصصين في بعض أنواع اللقى من حيث تقديم تاريخ لبعض اللقى تساعده في وضع تسلسل لطبقاته أو تاريخ المحتويات، وتمكنه من كتابة تقريره المبدئي ثم تقريره النهائي الذي يعد بمثابة نشر كامل لنتائج الحفريات.
من المؤكد إن التنقيب عن الآثار ليس غاية في حد ذاته حيث يسعى الأثريون للكشف عن المادة الأثرية بغية إعادة تركيب جزء من حياة الإنسان وحضارته القديمة بجوانبها المختلفة ومن ثم تصبح جزء من السجل التاريخي للإنسانية الذي يحاول الأثري أن يسده بما يكشف عنه ، ويسده المؤرخ بما يتحصل عليه من وثائق. و تحتاج المادة التي يكشف عنها الأثري إلى الكثير من المعالجات حتى يتم المحافظة عليها فهي دليلا على حدث تاريخي، كما إنها وثيقة تاريخية يجب أن تحفظ جيدا حتى تكون متيسرة للباحثين ، كما ينبغي أن تعرض على الجمهور في الموقع أو في المتحف لتعكس لمشاهديها أهميتها التاريخية والحضارية وتعبر عن ذلك الإنسان الذي أنتج تلك المادة ليستعملها في حياته. كما يتوجب على المنقبين دراسة المادة الأثرية التي يكشفون عنها أو يعثرون عليها حتى تكون متاحة للباحثين وتسهم في تطوير المعرفة الأثرية والتاريخية في المنطقة التي نقبوا بها .
 وباختصار شديد فإن مرحلة التنقيب والكشف عن المادة الأثرية ما هي إلا مرحلة أولى من مراحل منهجية علم الآثار فيجب أن تتبعها مرحلة ما بعد الحفريات التي يمكن تلخيصها في تصنيف المادة الأثرية لتسهل دراستها ، ترميم وصيانة وحماية ما يكشف عنه، ودراسة المادة الأثرية ونشر النتائج ، وجعل المادة الأثرية متيسرة للعرض سواء بنقلها لتعرض في متحف أو إبقائها في مكانها في موقع الأثرية وفقا لطبيعة المادة الأثرية ثابتة أو منقولة.
وعندما ننظر إلى الحفريات التي تجرى في ليبيا ، ونحن هنا لسنا في محل تقويم تلك الحفريات إلا انه هناك كلمة ينبغي أن تقال في هذا الشأن، حيث يلاحظ أن جُل المنقبين ينصب اهتمامهم ـ غالباً ـ على المعلومات التي يجمعونها من خلال حفرياتهم ومن ثم النتائج التي يتوصلون إليها دون إلتفات الكثير منهم إلى ترميم ما كشفوا عنه من بقايا أثرية التي بعد توثيقها جيدا يقومون بردمها أو تغطيتها، وقد تتم هذه العملية بشكل مستعجل أو غير مكين مما يعرضها بعد سنوات بسبب عوامل التعرية إلى ظهور المعالم الأثرية من جديد ومن ثم تصبح عرضة للخطر والتلف، وبدلا من هذا يفضل أن يقوموا بترميم ما يكشفون عنه حتى يصبح متاحا للزيارة ومن ثم يستفاد منه في التعريف بالموقع الأثري والإقبال على زيارته، وحمايته من قبل السكان، ولعل ما دفع إلى هذا الحديث هو تعرض جزء من منطقة يوسبريديس (بنغازي الإغريقية) خلال شهر ابريل إلى محاولة تقسيم الموقع الأثري واستغلاله بواسطة بعض السكان ، هذا الموقع الذي أجريت به حفريات في الخمسينيات وفي نهاية الستينيات كذلك في نهاية التسعينيات وبعدها ، وقد كشف في هذا الموقع على الكثير من أساسات الجدران و فسيفساء ومكان لصباغة الصوف،ولان هذه المعالم تمت تغطيتها منذ سنوات عدة حتى أصبح الموقع التي توجد به تلك المعالم الأثرية مجرد ارض فضاء لا يبرز شيء من آثاره مما دفع السكان لمحاولة الاعتداء عليها، ومن يمر بالموقع لا يشعر إن هذه منطقة أثرية، حيث لا سياج، لا لوحات توضيحية، لا آثار بارزة، وهذا يدعو إلى الاهتمام بترميم ما يكشف عنه وعدم تغطيته إلا للضرورة القصوى، إضافة إلى حماية الموقع الأثري بالسياج وبالحراسة البشرية والمراقبة الالكترونية حتى يُحافظ عليه ، كما إن إشهار الموقع باللوحات التوضيحية يعد ضرورة لأن هذا يعد نوعا من الحماية له. وعلى مصلحة الآثار أن تضع شرط الترميم وحماية ما يكشف عنه ضمن شروط التعاقد مع البعثات المنقبة عن الآثار. كما انه من الضروري أن يتبع الحفريات نشر أولي ثم نشر نهائي للنتائج التي تم التوصل إليها ، حيث لوحظ إن الكثير من الحفريات في ليبيا لم تنشر نتائجها بشكل نهائي واغلب ما نشر عنها تمثل في تقارير أولية.
وهذه الكلمة ما هي إلا دعوة لمصلحة الآثار لتهتم بمرحلة ما بعد الحفريات وتكون جزءاً من قانون الآثار ولتصبح جزءاً من عقود بعثات التنقيب ويشدد على هذه الأمور فيها، لأنه ليس المهم الكشف عن المادة الأثرية بقدر أهمية حماية هذه المادة بعد اكتشافها والتي ستكون بتطبيق مرحلة ما بعد الحفريات.      


آثار منطقة طرابلس(تريبوليتانيا) في عدد خاص بمجلة فرنسية (L'Archéo-Théma)



نشرت المقالة في العدد 4-5 من صحيفة افاق اثرية الصادر في ديسمبر 2011

آثار منطقة طرابلس(تريبوليتانيا) في عدد خاص بمجلة فرنسية



خصصت مجلة (L'Archéo-Théma) التي تصدر عن الجمعية الأثرية السويسرية الفرنسية المعروفة باسم ARCHEODUNUM جُل عددها السابع عشر الصادر في شهر نوفمبر 2011 لآثار منطقة طرابلس اي تريبوليتانيا ، حيث كرست المجلة 78 صفحة منها للتطرق لموضوعات تتحدث عن الآثار في تلك المنطقة كتبها متخصصون في الآثار الليبية وأعضاء من البعثاث الاجنبية المنقبة في ليبيا ، أهمهم الايطالي ماسيميلانو مونزي من بعثة جامعة روما الثالثة في لبدة ،  والسويسرية كورين ساندوز من جامعة لوزان،وهما من اشرف على هذا العدد وكتب عدة مقالات داخله ، وحمل غلاف العدد صورة لقوس الامبراطور سبتيموس سفيروس في لبدة ، وبدأت الافتتاحية بالتعريف بهذه المنطقة وأهميتها الأثرية واستعراض أهم موضوعات العدد، بعدها هناك تسلسل زمني لأهم التواريخ وما يقابلها من أحداث مهمة عن تاريخ المنطقة (ص.5-6) ، يليها تأبين البرفسور اندرية لاروند رئيس البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا(ص.7)،أما المقالات الرئيسة فقد كانت على النحو الآتي : حيث كتبت ساندوز ومونزي عن المدن الطرابلسية (ص.10-15) ،وانطونيو دي فيتا عن الحضارة الاغريقية والتراث المحلي في مقبرة جنزور(ص.16-19)،وكتب مونزي و زوتشي عن دارات ومزارع وقصور واضرحة المرابطين في ضواحي مدينة لبدة (ص.20-29)،وكتبت لويزا موسو عن دارة او فيلا وادي يالا (سيلين)والدارات الساحلية في ضواحي لبدة (ص.30-35)،وكتب مونزي عن الإمبراطور سبتيموس سفيروس من الامبراطورية الرومانية إلى الجماهيرية(ص.36-41)، يليها مقالة ساندوز عن عمارة المنشآت المائية في منطقة طرابلس (ص.42-47)، يليها مقالة عن حمامات الشرق في لبدة كتبها جيوم دانيا (ص.48-51)،ثم كتبت لويزا موسو عن حمامات الصيد في لبدة (ص.52-57)، تليه مقالة ميشيل ماكوزين عن حصن القريات الغربية والحفريات الجديدة به 2009-2010 (ص.58-65)، تليه مقالة دي فيتا عن المذبح الجنائزي في سدرة الباليك في صبراتة (ص.66-71)،ثم مقالة مونزي عن قبائل الاوسترياني ولواتة (ص.72-73)، وكتب كارلو دي مارا عن الكنيسة البيزنطية في الفورم القديم في لبدة (ص.74-77)، وأخيرا مقالة مونزي عن عودة روما الى الرومنة في ليبيا الرومانية(ص.78-81). وفي الختام تميز هذا العدد بمعلوماته الوفيرة والجديدة عن آثار منطقة طرابلس والتي كانت مصحوبة بالمخططات والصور الرائعة، وبالفعل يشكل هذا العدد تعريف بجزء من الآثار الليبية، وهو بمثابة الدعاية السياحية لليبيا وآثارها.

حفريات جديدة في مدينة سرت الإسلامية


نشرت المقالة في العدد 4-5 من صحيفة افاق اثرية الصادر في ديسمبر 2011



حفريات جديدة في مدينة سرت الإسلامية
ترجمة أ. خالد محمد الهدار

قبل قراءة النص:
تجدر الإشارة إلى أن المقصود بمدينة سرت الإسلامية هنا يختلف عن موقع مدينة سرت الحالية فهي تبعد عنها  مسافة 55 كم غربا ، وهي قريبة من قرية سلطان التي تقع للشرق منها  بمسافة 5 كم ، وعرف هذا الموقع محليا باسم المدْيّنة أي تصغير لكلمة مدينة، هذا الموقع الذي شغلته قرية كاراكس الفينقية ثم إسكينا الرومانية التي عرفت في العصر البيزنطي باسم سرتيس ومنها أطلق عليها العرب اسم سرت،أما سرت الحالية فقد كانت تعرف باسم يوفرانتا ثم ماكومادس (مغمداس عند الرحالة المسلمين)، وبعد نهاية سرت الإسلامية أصبح اسمها يطلق على كامل المنطقة، وعندما بنى الأتراك قلعة في سرت الحالية في مرسى الزعفران عام 1842 عرفت باسم قصر الزعفران ثم باسم قصر سرت، ومن هنا جاءت تسمية سرت التي يختلف موقعها عن مدينة سرت الإسلامية.وقبل أن تبدأ حفريات البعثة الفرنسية بها عام 2007 بإشراف د.جون ميشيل موتو  شهدت المدينة أعمال ميدانية أهمها: حفريات مصلحة الآثار بواسطة أ. عبدالحميد عبدالسيد ما بين 1963-1964 ،و د. محمد مصطفى ما بين 1965-1966 ثم حفريات جمعية الدراسات الليبية في لندن بالتعاون مع مصلحة الآثار باشرا ف د. قيزا فيهرافاري وأ.مسعود شقلوف  ما بين 1977-1981.
النص:
يعد عام 2007 علامة بارزة في أعمال البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا حيث انطلق أول موسم حفريات في مدينة سرت الإسلامية، وسبق أن ألقيت عدة محاضرات عن تاريخ ليبيا اختصت بفتح الجيوش العربية لها ، وأخرى ركزت على مدينة طرابلس ، وموضوع الحملات العسكرية التي قادها قراقوش على ليبيا زمن الأيوبيين. ولكن هذه المرة الأولى التي تعقد بها عدة جلسات علمية في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في مجال العلوم التاريخية واللغوية  (EPHE) في جامعة السوربون تركز على التاريخ والآثار الإسلامية في ليبيا على وجه الخصوص قدم فيها تقرير أولي عن الموسمين الأول والثاني من الحفريات التي أجريت في أغسطس 2007 و ابريل 2008.  
تتوسط مدينة سرت الإسلامية (55 كم شرق سرت الحالية) الساحل الليبي عند حافة خليج سرت حيث تبعد 600 كم للشرق من مدينة طرابلس ، ومن ناحية أخرى  تبعد 600 متر عن البحر المتوسط الذي تطل عليه ، لهذه المدينة سور بيضوي يحيط بها ويطوق أكثر من 18 هكتارا، والمدينة تظهر اليوم على هيأة مساحة كبيرة جدرانها منهارة وهذا يرجع إلى أن اغلب مبانيها كانت مادة بنائها الرئيسة الطوب اللبن الذي انهار أو تكوم على نفسه. لم يبرز من المدينة إلا بعض المعالم المتبقية أو التي كشف عنها مثل المسجد الكبير، وبقايا سور المدينة وأيضا بعض التلال المرتفعة قليلا عن سطح الأرض ، والتي عرفت تحت اسم الحصن الجنوبي الشرقي والحصن الجنوبي الغربي.
أسست مدينة سرت عند بداية الفتح العربي لليبيا في عام 644 م بواسطة عمر بن العاص الذي قرر أن يضع حامية عسكرية قرب المدينة الرومانية القديمة التي تسمى اسكينا والتي بقاياها لا تزال بارزة للعيان وذلك للغرب من موقع سرت الإسلامية. غير إن المدينة يبدو أنها لم تعرف التطور والازدهار إلا في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين ، وذلك في الوقت الذي أصبحت فيه محطة بين المشرق والمغرب وسوق أو منفذ ترتاده القوافل القادمة من جنوب الصحراء. وعندما حاول الفاطميون  فتح مصر عن طريق تونس (افريقية) جعلوا سرت نقطة ارتكاز عسكرية ومكان لتزويد جيشهم بالمؤن والماء. ومن ثم فان سرت كانت محطة أساسية في فتح مصر بواسطة الفاطميين عام 969 م. أما عن سبب هجر الموقع فإن الفرضية الأكثر شيوعا  في تفسير ذلك هو تدميرها بواسطة قبيلة بني هلال العربية في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي حيث استفاد الهلاليين من إهمال الفاطميين لهذا الموقع العسكري بعد فتحهم لمصر، واستغلوا الصراع القائم بين الفاطميين والزيريين في تونس وسيطروا على سرت.  وعلى الرغم من هذا فان المدينة استمر ذكرها في كتب جغرافي ورحالة القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وأيضا أشار إليها ليو الإفريقي (الحسن الوزان) في بداية القرن السادس عشر وذكر إنها كانت مدمرة، وهنا يجب إن نتحدث بيقين عن الانهيار البطيء والطويل زمنيا لمدينة سرت عوضا عن هجرها المفاجئ .
كما تعد مدينة سرت احد المواقع الأثرية الإسلامية الرئيسة في ليبيا، وهي في الواقع أول موقع اثري إسلامي أجريت به حفريات في هذه البلاد منذ عام 1963 بواسطة مصلحة الآثار. تركزت تلك الحفائر على المسجد الكبير الذي كان المعلم الوحيد البارز فوق سطح الأرض ، إضافة إلى بقايا سور المدينة، وعلى بوابتي المدينة الواقعتان في الشمال والشمال الغربي منها. غير أن الحفريات الأكثر أهمية والأفضل توثيقا هي التي أجرتها البعثة الانجليزية ما بين 1977-1981 تحت إشراف قيزا فيهرافاري. التي نتج عنها رسم أول مخطط دقيق للموقع ، كما إن الحفريات في المسجد الكبير قدمت تسلسل تاريخي دقيق لهذا المبنى الرئيسي.
لقد اقترحت البعثة التي انطلقت عام 2007 بالقيام بدراسة عامة للموقع لتحديد فترة استيطان المدينة بدقة، وتحديد وظيفة مبانيها بدقة أيضا (المباني العسكرية و التجارية .. الخ) ، إضافة إلى عمل مسح علمي شامل لما بداخل أسوار المدينة، وهذا أدى إلى جرد أكثر من 300 مبنى اثري (مسجد ، حصون ، 37 صهريج ..الخ)، وفي الوقت نفسه فان دراسة طبوغرافية الموقع أدت إلى رسم خارطة جديدة لسرت حيث حددت فيها الأسوار التي كانت أجزاء منها غير مؤكدة أو غير واضحة. ولقد وضّح هذا المخطط  إن الأحياء السكنية الصناعية كانت أكثر تركزا في النصف الشمالي من المدينة في شكل تنظيم حضري واضح حيث خمنت أماكن بعض المخططات  مثل الشوارع والأزقة ، بينما النصف الجنوبي يبدو انه اقل بكثير من حيث كثافة الاستيطان، فهذا الجزء يشاهد كأنه خالي من المباني تقريبا لاسيما قرب الأسوار. وهناك خط من الآبار بعضها يرتبط بأحواض، يبدو إنها كانت تفصل جزئي المدينة عن بعضهما.
كما أدى المسح العلمي الذي اجري على مسافة 500 متر من الأسوار من الخارج إلى تقديم معطيات ومعلومات جديدة تماما. ومنها إن إطراف المدينة كانت مشغولة بالعديد من المواقع الجنائزية (المقابر) مبعثرة نسبيا، والتي ظهرت في شكل قبر أو مكان جنائزي بُني من الداخل بأحجار وضعت فوق بعضها دون مونة تربط بينها، لوحظ من بينها وجود أحجار مشذبة لاسيما عند مكان الرأس، غير أن الاكتشاف الأكثر أهمية حدثت في الناحية الشمالية الشرقية من المدينة حيث لوحظ وجود 50 حفرة مستديرة بحجم واحد ، هذه الحفر يحيط بها إطار مرتفع من الطين اللبن يبدو أن بعضها كان يرتبط بوظيفة صناعية : حيث يبدو إنها  تتعلق بأحواض مشيدة بالطين اللبن تستعمل لإعمال الصباغة أو الدباغة.
واتضح من الحفريات التي أجريت في عام 2008 على احد حصني المدينة والمقصود هنا الحصن الجنوبي الغربي ، انه يأخذ شكل شبه منحرف بطول 66 متر وبعرض 43 متر وهو محاط بخندق من الخارج. يوجد في مركز هذا الحصن ثبة مساحتها حوالي 15 مترا مربعا تسيطر على هذا المكان ، وتبين من الحفريات إن هذه الثبة تمثل احد الأبراج المربعة التي كانت قائمة على أساسات حجرية بسمك 1.50 مترا ، ومن حيث جداره فقد كان مختلط ما بين الحجارة والطين اللبن حيث يصل ارتفاع الجدار الحجري إلى اقل من 1.70 مترا ثم يعلوه الجدار الطيني. وقد سمح لنا التحليل بواسطة الكربون 14 بالقول إن هذا المكان ظل مستخدما حتى القرن الرابع عشر الميلادي. وقد أجريت عدة مقارنات بينه وبين أبراج دفاعية إسلامية من ريف بلنسية باسبانيا التي كانت أيضا مربعة الشكل وجدرانها الطينية أقيمت على أساسات حجرية. مع ذلك فان برج سرت إبعاده كبيرة ، و يعكس هذا الاختلاف في الإبعاد ربما الوظيفة الدفاعية والرمزية لهذه الأبراج، ومن الضروري إن نضيف انه كان لسرت  وظيفة سكنية وتخزينية.
ولقد أدت نتائج الموسمين الأولين من التنقيب في سرت من تزويدنا بمعطيات جديدة عمقت معرفتنا بهذه المدينة، فيما يخص الوظائف الحضرية للمدينة اتضح إن سرت كانت مدينة عسكرية في المقام الأول في سرت. حيث يبدو أن الموقع الذي شغله الحصن الشمالي الشرقي والحصن الجنوبي الغربي في المدينة قد لعب دورا أساسيا  في النسيج الحضري للمدينة. كما إن اكتشاف الحفر المستديرة في شمال المدينة التي سيبدأ في التنقيب في أحداها موسم 2009  أشار أيضا إلى إن سرت  من غير شك ليست منفذ أو ميناء للتصدير لأحد طرق القوافل فحسب  ولكن مركز رئيسي للإنتاج أيضا. ويبدو بشكل واضح إن هذه المدينة لم تهجر بشكل مفاجئ بعد احتلالها من قبل قبائل بني هلال في منتصف القرن الحادي عشر حيث استمر الاستيطان بها حتى القرن الرابع عشر . وهذا يدفع أيضا إلى التساؤل إذا كان العامل الرئيسي لهجر المدينة ليس بسبب المناخ . غير أن كثرة الصهاريج وما ذكرته بعض الكتابات عن تخزينها لمياه الأمطار يتناقض مع قلة سقوط الأمطار حاليا، وهذا يعكس كونها تقع في إقليم غاية في الجفاف.