الجمعة، 25 سبتمبر، 2009

كنز من العملة الرومانية في مدينة طلميثة الاثرية


على الرغم من ان الانسان لم يعرف سك العملة المعدنية والتعامل بها الا في القرن السابع ق.م. تقريبا ، الا ان تلك القطع المعدنية المعلومة الوزن و المختلفة قيمتها باختلاف معدنها ، والتي اصبحت تحمل صورا ورموزا وكتابات رسمية تعكس نواح سياسية واقتصادية ودينية و فنية و غيرها ، تلك العملة اصبح لها دور كبير وفعال في علم الاثار ، حيث يعول عليها الاثريون كثيرا في تاريخ الطبقات الاثرية وتاريخ اللقى الاخرى التي توجد في ذات الطبقة من فخار و منحوتات وغيرها ، ولعل العملة الرومانية الامبراطورية من ابرز العملات القديمة التي لها اهمية كبيرة بما تحويه من رسومات متنوعة وصور شخصية للاباطرة و بعض افراد اسرهم ، ، كما ان حرص الاباطرة على ان تحمل العملة كتابات تتعلق بالقابهم الرسمية ومناصبهم و تاريخ توليهم لها ، كلها ساعدت في تحديد تاريخ اصدارتهم النقدية بكل دقة ، ومن ثم اصبحت العملات الرومانية يعول عليها من حيث تأريخ المكتشفات الاثرية المصاحبة لها . و لا يعول الاثري على القطعة الواحدة او القطعتين التي توجد في الطبقة الاثرية لانه يخشى الا تكون في مكانها الاصلي لان العملة سهل تحريكها ونقلها من مكان الى آخر ، لهذا فانه يتعامل معها بحرص لكي يعتمدها معيارا للتأريخ . كما يمكن ان يعثر على العملات باعداد كبيرة مع بعضها قد تكون داخل جرة او محفوظة في شيء ما ، وهذه العملات مجتمعة يطلق عليها عادة اسم كنز لانه عادة وضعت مع بعضها لغرض اكتنازها بحيث يطمرها صاحبها لكي يرجع اليها او يستردها فيما بعد واحيانا وفي قليل من المرات يصعب على صاحبها استردادها بسبب موته او نسيانه لمكانها لذا يظل الكنز في مكانه الى ان تأتي معاول الاثريين او تلعب المصادفة الدور في اكتشافها بعد ان مر عليها فترة طويلة بالزمن ، وهي بهذا تصبح دليل تاريخي للمكان الذي وجدت به ويمكن الوثوق في التاريخ الذي يستنتج من خلال تاريخ احدث عملة اضيفت الى الكنز اذا كان الكنز يتكون من عملات ترجع الى فترات تاريخية مختلفة ، اما اذا كانت متجانسة فان تاريخها يعد تاريخ تخزينها او اخفائها في باطن الارض ، ومن ثم تصبح قرينة تاريخية تساعد في تأريخ المخلفات الاثرية التي تعلوها وهي تعد احدث منها زمنيا ، اما المخلفات التي اسفل منها فهي تعد اقدم منها.


وبعد هذه التوطئة لاهمية العملات و لاسيما التي تكون في شكل كنز ، نأتي للحديث عن اهم الكنوز التي اكتشفت في ليبيا ، ولعل من اهمها ذلك الكنز الذي عثر عليه في منطقة الدافنية بمصراته بتاريخ 17/2/1981م ، وقد تكون من 100000 قطعة عملة برونزية عثر عليها مخزنا في جرار كبيرة وصغيرة ، وهو يعد اكبر كنز من العملة يعثر عليه في العالم اذ يبلغ وزنه ستة اطنان ، ويؤرخ ما بين 294-333م ، وقد عرض جزء منه في متاحف السراي الحمراء بطرابلس و جزء آخر في متحف لبدة ، وجزء في متحف مصراته. كما ان هناك كنز من العملة البرونزية عثر عليه في البحر ما بين صبراته و زوارة في منطقة المنقوب عام 1923 و 1938 بلغ عددها 20000 قطعة ، يرجع تاريخ تلك العملة الى عهد الامبراطور ماكسميان (306-312 م) ، يعرض جزء منها في متحف صبراته الكلاسيكي ، وجزء آخر في مجمع متاحف السراي الحمراء. اما في الجزء الشرقي من ليبيا فقد عثر على مجموعة من كنوز العملة الرومانية منها الكنز المتكون من 243 قطعة برونزية عثر عليها الايطالي كاتاني يوم 14/10/1916م في منزل جنوب الاجورا في شحات (قوريني = كيريني قديما) ، و آخر عثر عليه جودتشايلد في شهر مايو 1956 في حفرياته في منزل متواضع قرب مسرح حرم اسكلبيوس بمدينة بلجرا القديمة (البيضاء حاليا) ، وهو يتكون من 259 قطعة عملة برونزية صغيرة تؤرخ ما بين 350 – 361 م ، وهناك كنز آخر عثر عليه مؤخرا في حفريات قسم الاثار بجامعة عمر المختار بمدينة بلجرا ايضا ، اضافة الى كنز عثر عليه داخل جرة عثر قرب البحر غرب مدينة بنغازي ، و اخيرا الكنز الذي عثر عليه في مدينة طلميثة الاثرية (بطوليمايس قديماً) .


و الكنز الاخير الذي عثرت عليه البعثة الاثرية البولندية اثناء حفرياتها في طلميثة عام 2006 في دارة ترجع الى القرن الثالث الميلادي وتحديدا في الناحية الجنوبية من الدارة حيث كشف عن جناح خدمي صناعي يتكون من عدة حجرات عثر في احداها على كنز من العملة الرومانية ، عددها 568 قطعة اغلبها من البرونز (553) باستثناء 15 قطعة من الفضة ، ويبدو ان الكنز كان مخزنا في كيس او جراب صُنع من مادة عضوية زادت في تحلل القطع و اثرت على حالتها حيث وجدت في حالة سيئة من الحفظ يعلوها الصدأ ، وكانت بعض العملات ملتصقة ببعضها ، وقد اجريت على ذلك الكنز صيانة و ازالة للصدأ الذي تجمع على معدن عملاته ، وقد امكن بعد ذلك معرفة ملامحها و تاريخها ، وقد عرض هذا الكنز في جامعة وارسو البولندية بتاريخ 18/12/2008م في شكل نماذج وقطع اصلية ، ونتنمى ان يعرض في فترة قريبة في ليبيا.


وتجرى حاليا دراسة دقيقة لتلك العملات من المؤكد انها سوف تقدم معلومات جديدة عن اقتصاد الاقليم و تطوره النقدي ، ونسبة تدفق النقد الامبراطوري على الاقليم ، اضافة الى نسبة الاصدارات المحلية ومميزاتها.


وقد نشر القائمين على دراسة ذلك الكنز بعض النتائج الاولية العامة نشرت في التقرير الاولي الذي اعد عن حفريات موسم 2006 و الذي متاحا في موقع البعثة على الشبكة العنكبوتية (www)، وقد امكن من خلالها التوصل الى الاتي: ان ذلك الكنز يتكون من قطع مختلفة زمنيا ترجع لعدد من الاباطرة الرومان ، فالقطع الفضية ترجع جميعها الى عهد الاسرة الانطونينية (138-192م) باستثناء واحدة ترجع الى عهد الامبراطور كاراكلا (211-217م). اما العملات البرونزية فقد سكت اغلبها في مدينة روما باستثناء قطعتين سكتا في مدينة قوريني احداهما ترجع الى الامبراطور تراجان (98-117م) و الاخرى ترجع الى عهد الامبراطور ماركوس اوريليوس (161-180م) و قد تميزت ان ظهرها قد حمل صورة لرأس المؤله زيوس امون ، اضافة الى صورة الامبراطور على وجه العملة.


من اقدم عملات الكنز تلك التي ترجع الى الامبراطورين تراجان وهادريان (98-138م)وكانت حالتها سيئة وملامحها غير واضحة ، يليها زمنيا مجموعة كبيرة من العملات التي ترجع الى عهد الاسرة الانطونينية اي الاباطرة انطونيوس بيوس (138-161م) و ماركوس اوريليوس(161-180م) وكومودوس(180-192م) ، وهناك مجموعة من العملات التي ترجع الى عهد الاسرة السيفيرية (211-235م) لا سيما تلك التي ترجع الى عهد الامبراطور سبتيموس سيفيروس (193-211م)، كما ظهرت مجموعة معتبرة من العملة التي ترجع الى الامبراطور الاسكندر سفيروس (222-235م) منها 12 قطعة تحمل صورة زوجته الامبراطورة جوليا مامايا. وهناك عدة قطع ترجع الى عهد الامبراطور بالبينوس (238م) واخرى للامبراطور ماكسيمنوس ثراكس (235-238م) و ابنه ماكسيموس، وهناك كمية كبيرة (اكثرمن 100 قطعة) من العملات ترجع الى عهد الامبراطور جورديان الثالث (238-244م) ، ومجموعة من العملة ترجع الى الامبراطور فيليب العربي (244-249م) وابنه فيليب الثاني ، وعملة ترجع الى الامبراطور تريبونانوس جالوس (251-253م)وعملات هذا الامبراطور احدث عملات هذا الكنز من الناحية الزمنية ، ومن ثم لا توجد عملات سكت بعد عام 251م تقريبا ضمن عملات كنز طلميثة ، وبمعنى آخر فان المجال الزمني لعملات ذلك الكنز يبدأ من نهاية القرن الاول وبداية القرن الثاني (عملات تراجان) وينتهي بمنتصف القرن الثالث الميلادي (عملة الامبراطورجالوس).


وبطبيعة الحال يطرح هذا الكنز عدة تساؤلات منها ما هي الظروف التي جعلت مالك الكنز يضعه في المكان الذي وجد به ؟ ولماذا لم يسترد هذا الكنز و ابقاه في مكانه ؟ وما هي الفترة الزمنية التي استغرقها تجميعه؟ من المؤكد ان التخمين والحدس يلعب الدور الاكبر في الاجابة على بعض تلك الاسئلة ، حيث يرجح ان صاحب الكنز له علاقة بالمكان الذي وجد به الكنز حيث كانت تمارس بعض الانشطة الاقتصادية والصناعية في الحجرات القريبة من مكان الكنز . ويبدو ان مالكه لم يستطع استرداده بعد كارثة حدثت منعته من الاستفادة منه وظل في مكانه ، واقرب حادثة قد يكون زلزال 262 م او زلزال او كارثة وقعت بعد عام 251 وهو تاريخ اخر قطعة عملة في الكنز. ويبدو ان صاحب الكنز كانت اكثر فترة نشاطه المالي في عصر الامبراطور جورديان الثالث(238-244م) لان الكنز احتوى على عدد كبير من العملات التي ترجع الى هذه الفترة.


وقد عد الدارسين لهذا الكنز انه اول دليل اثري ظهر في الاقليم يؤكد حدوث زلزال عام 262م او زلزال منتصف القرن الثالث الميلادي، قياسا على الكنز الذي عثر عليه في بلجرا (البيضاء) عام 1956 و الاخر الذي عثر عليه قرب الاجورا في قوريني عام 1916 و التي برهنت على حدوث زلزال عام 365 م وفقا لدراسة جودتشايلد التي نشرت عام 1966.


واذا كان زلزال عام 365 م مبرهن عليه من خلال المصادر الادبية مثل ما كتبه لبيانوس و مارسيلينوس و سان جيروم ، مدعما بادلة اثرية من خلال المباني التي دمرت في قوريني و طلميثة وتوكرة ، وادلة من النقوش حيث وضح نقش في مقبرة ديمتريا انها ماتت مع ابنها ثيودولوس في زلزال ، من المؤكد انه زلزال 365 وفقا لشكل حروف النقش. لكن زلزال عام 262 م لم توجد ادلة مادية تبرهن عليه اعني لم يستطع المنقبون العثور على ادلة مباشرة تؤكد ان هذا المبنى او ذاك قد تعرض للدمار نتيجة زلزال 262م او زلزال منتصف القرن الثالث الميلادي، وهناك بعض الترجبحات ليس الا . واذا كان هذا الكنز يبرهن على حدوث ذلك الزلزال فهل وجد المنقبون في طلميثة اية ادلة تؤكد حدوث تصدع في المبنى و انهيار جدرانه واعمدته جراء زلزال 262م او قبله ، واذا وجدوا هذا فان الكنز يعد دليلا اضافيا على حدوث ذلك الزلزال ، واذا لم يجدوا فان الكنز لوحده غير كاف دليل لحدوث الزلزال.








جولة في مدينة سوسة الاثرية


تقع هذه المدينة الاثرية الى الشرق من مدينة شحات الاثرية التي تبعد عنها حوالي 18 كم ، كما يمكن الوصول اليها عن طريق مدينة درنة و عبر الطريق الساحلي عبر رأس الهلال ، و هذه المدينة تتمتع بموقع سياحي جذاب من الناحية الطبيعية فهناك البحر و الجبال اضافة الى المدينة الاثرية .



اشتهرت هذه المدينة منذ نهاية القرن السابع ق.م انها ميناء لمدينة كيريني (قوريني-شحات) و سميت بهذا الاسم لانها لم تكن الا ميناء تابعا لمدينة كيريني تستغله للاتصال بالعالم الخارجي بسبب المقومات الطبيعية التي يملكها ذلك الميناء ، وقد ذكرت بهذا الاسم في الكتاب المنحول عن الجغرافي سكيلاكس في القرن الرابع ق.م.، ولقد استغل المغامر الاسبرطي ثيبرون هذا الميناء للاستيلاء على الاقليم (كيرينايكي- قورينائية) برفقة 7000 من المرتزقة الاغريق فقام باحتلاله عام 324 ق. م. و لم يستطع تحقيق اهدافه بعد سنتين من الصراع مع سكان الاقليم ومدنه ، وعندما قبض عليه في توكرة ارسل ليعدم في ميناء قوريني (سوسة) عام 322 ق.م. هذه الاحداث التي رواها المؤرخ ديودورس الصقلي تفصيلا ، وفي العصر البطلمي ازدهر هذا الميناء وتطور الى ان اصبح مدينة و لاسيما في عهد الملك ماجاس (300-250 ق.م.) وخلال هذا العصر ولد في هذه المدينة إراثوسثينيس (276-194 ق.م.)الفلكي الذي استطاع قياس محيط الارض ، وكان امينا لمكتبة الاسكندرية .



و قد انفصلت سوسة عن قوريني واصبحت مدينة مستقلة سميت باسم جديد هو ابوللونيا (نسبة للمؤله الاغريقي ابوللو) في اوائل القرن الاول ق.م حيث ذكرها نقش يرجع لعام 67 ق.م. بهذا الاسم كما ان سترابون ذكرها بذات التسمية ، ثم اصبحت في القرن الاول الميلادي احدى المدن الخمس (البينتابولس) وفقا لما يذكره بليني الاكبر، ومن ابرز الاحداث التي شهدتها هذه المدينة في العصر الروماني وصول القائد الروماني ماركوس توربو مع قواته للقضاء على الشغب الذي اثاره اليهود في الاقليم ما بين 115-117 م ، وعقب هذا يبدو ان الامبراطور هادريان قام ببعض الاصلاحات مما جعل سكان المدينة يصفونه في احد النقوش بالمؤسس ، كما انضمت سوسة الى الرابطة الهللينية (Panhellenion) التي اسسها هادريان عام 137م ، وقد تأكد استمرار سوسة في هذه الرابطة في عهد الامبراطور ماركوس اوريليوس ، ولم تزدهر هذه المدينة الا بعد ان اصبحت عاصمة للاقليم في منتصف القرن الخامس الميلادي (ما بين 431-450م) و استمرت عاصمة حتى الفتح الاسلامي عام 642 م ، وقد كانت تعرف خلال هذه الفترة باسم سوزوسا التي ربما تشير الى السيدة مريم العذراء عليها السلام ، ولكونها عاصمة الاقليم فقد صارت مقرا للحكام البيزنطيين الذين حكموا الاقليم و من بينهم دانييلوس الذي وجه اليه الامبراطور اناستاسيوس عام 501 م مرسوما لتنظيم احوال الاقليم العسكرية وجد جزء منه منقوشا على الرخام ، وكان آخر الحكام البيزنطيين المدعو ابوليانوس الذي هرب امام الزحف الاسلامي الى مدينة تاوخيرا (توكرة) عام 642 م. ومن الطبيعي ان تشهد المدينة حركة معمارية ضخمة بسبب كونها مركزا للاقليم ومقرا لحكامه لذا فقد كشفت المعاول الاثرية على عدة كنائس مزدانة بالرخام والفسيفساء يؤومها المسيحيين بالمدينة ، وهناك قصر للحاكم عرف باسم قصر الدوق ، وهناك احياء سكنية لاستقرار الاهالي و الوافدين على المدينة.



ويبدو ان المدينة لم تنتهِ بعد الفتح الاسلامي حيث استقر بها بعض المسلمين لفترة من الزمن حيث عثر على نقش عربي في صالة قرب الكنيسة الوسطى ، وعلى الرغم من هذا فانه لايعرف التاريخ التي هجرت فيه المدينة وبقائها خالية من السكان، وقد ادى هجرانها الى تدمير مبانيها بسبب تضافر العوامل الطبيعية والبشرية ادت الى اختفاء الكثير منها وصارت اطلالا عبر الزمن ، ونُسيت هذه المدينة العامرة من ذاكرة البشرية حقبة من الزمن الى ان زارها الرحالة وتعرفوا عليها واشاروا الى بعض بقاياها الاثرية ولعل اقدمهم الجراح الفرنسي جرانجيه عام 1734 ثم الطبيب الايطالي دي لا شيلا عام 1817 ، ثم الاخوان بيتشي عام 1822 وباشو عام 1824 ثم هاملتون عام 1852 وغيرهم ، وقد بدأ الايطاليون بالحفر في بعض بقاياها واهتموا باثار هذه المدينة منذ عام 1915 ، كما اهتم الفرنسي مونتي بالتنقيب بها ما بين 1953 -1956 ، اضافة الى مصلحة الاثار التي نقبت فيها برئاسة جودتشايلد ما بين 1959-1961 و بعد ذلك ، اضافة الى فريق من جامعة ميتشجان ما بين 1965-1967 تمخض عمله عن مجلد ضخم عن هذه المدينة ، واخيرا عاد الفرنسيون للتنقيب في سوسة من جديد باشراف شامو منذ 1976 ثم لاروند منذ عام 1981 ولا زالت تنقيباتهم مستمرة حتى الان.



و قد انتجت الاعمال السابقة الكشف عن الكثير من المعالم الاثرية ودراستها ، وهي تعبر عن تاريخ هذه المدينة وتطورها الحضري عبر العصور ومن اهم معالمها : اسوار المدينة و ابراجها التي بنيت في اواخر العصر الهلنيستي وتحديدا في العقود الاخيرة من القرن الثاني ق.م. و التي تمتد لمسافة 800 مترا بادئة من نهاية الاكروبولس شرقا لتنتهي ببرجين دائريين (1 ، 4) غربا و يدعمها 17 برجا مربعة الشكل (10.50 مترا) اضافة الى برج مستطيل قرب المسرح اي انها تحتوي على 20 برجا. هذه الاسوار التي تحصر داخلها جل معالم المدينة باستثناء المقابر الاغريقية والرومانية التي تقام عادة خارج الاسوار ، اهمها تلك الموجودة في الجبانة الغربية بعضها حجرات منحوتة في الصخر ، واخرى قبور فردية عثر في بعضها مؤخرا على كؤوس باناثينية كانت تمنح في اثينا للفائزين في المنافسات الرياضية التي تقام هناك ، التي قد تعكس النشاط الرياضي لسكان هذه المدينة ، كما يوجد ضريح بيزنطي يرجع للقرن السادس الميلادي ملتصقا بالسور الغربي ، كما كشف خارج الاسوار عن مبنى للمسابقات الرياضية (الاستاديوم) الذي يرجع الى القرن الثاني ق.م. يضاف الى ذلك المعبد الدوري المكرس على الارجح لافروديت والذي يرجع الى العصر الهلنيستي ، وهناك المسرح الاغريقي الروماني الذي نحتت جل مدرجاته الثلاثون في الصخر في الجزء الشرقي للمدينة خارج اسوارها ، هذا المسرح الذي بني في العصر الهلنيستي لكنه اتخذ شكله الحالي في عام 92 م حيث زيد في حجمه واجريت عليه الكثير من التعديلات. كما تجدر الاشارة الى الكنيسة التي بنيت خارج السور الجنوبي في القرن الخامس الميلادي وتعد من الكنائس الفريدة في معمارها وتخطيطها.



اما داخل اسوار المدينة فيصادف الزائر عدة معالم بارزة تمثلت في مبان دينية ومدنية تعكس الحياة العامة في تلك المدينة ، وقد تمثلت المباني الدينية في ثلاث كنائس اهمها الكنيسة الشرقية التي بنيت داخل مبنى الاجورا (الساحة العامة) في القرن الخامس ثم رممت في القرن السادس الميلادي بعد ان زينتها الارضيات الفسيفسائية واستخدم في بنائها اعمدة رخامية جلبت من المسرح الذي هجر في العصر البيزنطي ، وهي من طراز الكنائس البازيليكية ذات الاجنحة ، وهي بدورها تختلف عن الكنيستين الاخرتين التي تتجه حنية احداها ناحية الغرب بينما حنية الاخرى تتجه ناحية الشرق وهما يرجعان لعصر الامبراطور جستنيان (527-565م) وقد ازدانت ارضية الكنيستين بالفسيفساء و الرخام . وتعد كنائس سوسة اكثر كنائس الاقليم حفظا وزخرفة واستخداما للرخام.



ومن اهم المباني العامة الحمامات الرومانية المواجهة للبحر والتي بنيت على انقاض مبنى هلنيستي احتوى على حوض سباحة وساحة لممارسة التمارين الرياضية (الباليسترا) هذه العناصر التي ادخلت في مبنى الحمامات بعد اضافة حجرات الحمام البارد و الدافئ و الساخن وحجرات اخرى وقد حدث هذا ما بين 75-125 م ، واستمرت الحمامات في الاستخدام حتى دمرت في زلزال عام 365 م مما جعل ترميمها واجبا ليعاد استعمالها من جديد حتى بناء حمامات اخرى في مكان آخر في القرن السادس الميلادي ظلت مستعملة حتى القرن السابع وربما بعد ذلك .



ومن المباني السكنية والرسمية ما يسمى بقصر الدوق اي مقر حكام الاقليم الذين اتخذوا من سوسة مقرا لهم لادارة شؤون قورينائية (كيرينايكي) اي الجزء الشرقي من ليبيا ، والقصر ان جاز التعبير يتكون من 83 حجرة موزعة على ثلاثة اجنحة ، الجناح الغربي المخصص للاستقبالات والاعمال الرسمية ، والجناح الشرقي المخصص للسكن والحياة الخاصة للدوق (الحاكم العسكري) وحاشيته ، والجناح الجنوبي الذي يمثل الجناح الخدمي للقصر اذ يسكنه الخدم و الجنود الذين يسهرون على خدمة من يقطن بالقصر وحراستهم.وقد ضم هذا المبنى كنيسة صغيرة لاداء القسم القانوني عثر بداخلها على تاوبت رخامي ربما كان يحفظ رفات احد الاساقفة.وقد بني القصر في بداية القرن السادس الميلادي. وقبل ان يتم التنقيب عنه واكتشافه كان المكان يشغل مبنى ايطالي ظل فترة طويلة قبل ازالته للشروع في الكشف عن المبنى و حدث هذا ما بين 1959-1961.



، كما تتميز هذه المدينة بان بعض آثارها غارقة تحت البحر و لاسيما مينائها و مكوناته المتعددة ، ومنذ الثمانينات بدأت الحفريات الفرنسية تحت الماء للكشف عن الميناء و الاثار الغارقة حيث كشفت عن بقايا سفينة صغيرة في الحوض الشرقي للميناء كانت بطول 20 مترا ومن خلال تحليل بقايا الخشب الذي صنع منه المركب والذي كان من خشب الجوز يبدو ان المركب قد صنع محليا في ليبيا وكان يعمل ما بين موانئ الساحل الشرقي وربما اقلع حتى بلاد اليونان او بالاحرى كريت القريبة من الساحل الليبي وذلك قبل ان يغرق في ميناء سوسة في القرن الثاني ق.م. هذا الميناء الذي كان يمتد لمسافة كيلومتر و بعرض 200 مترا ويتكون من مينائين داخلي يقع في الناحية الغربية مستدير الشكل مدخله في الناحية الشمالية و يرتبط بالميناء الخارجي (الشرقي) بممر محمي ببرجين ، كما جهز الميناء بمنارة بنيت في مكان قصي من الناحية الشمالية ، اضافة الى منشآت تخص الميناء بنيت على الشاطئ .



هذه جولة سريعة بين معالم مدينة سوسة الاثرية وتاريخها القديم الذي يمكن ان يقرأ ايضا من خلال التجول بين معروضات متحفها الذي يضم معروضات تعبر عن تاريخ المدينة وحضارتها عبر التاريخ الذي لايزال في حاجة الى اكتمال حلقاتها من خلال مزيد من الدعم المادي لمواصلة الكشف عن معالم المدينة و آثارها ومن ثم معرفة المزيد عن تاريخها ودورها الحضاري في تاريخ ليبيا القديم.