الأحد، 21 سبتمبر، 2008

من اثارنا في متحف اللوفر


لوحات حجرية مزخرفة (فريسكو)من مقبرة بقوريني في متحف اللوفر


نشرت في مجلة الثقافة العربية عدد شهر اغسطس 1999



عند تجوال الاخوين بيتشي عام 1822 ف في الجبانة الغربية بقوريني الواقعة في وادي بلغدير وتحديدا في حلق ستاوات ، اشار السيد كامبيل (Cambell)المرافق لهما الى مقبرة بها رسوم جدارية (فريسكو) رائعة ، وقد اهتم الاخوان بتلك الرسومات اهتماما ملحوظا حيث قام فردريك بيتشي برسم المشاهد التي تزخرف اللوحات و رسم واجهتها المعمارية الداخلية كما تناولاها بالوصف والتحليل اذ خصصا لها سبع صفحات من كتابهما ، لكن العالم لم يعلم بأمر هذه اللوحات المزخرفة حتى زيارة الرحالة باشو لها عام 1825 ف ونشر كتابه عن وقائع رحلته ، ذلك ان وقائع رحلة الاخوين بيتشي ـ التي كانت قبل رحلة باشو بعامين ـ لم تطبع الا في عام 1828 بينما طبع كتاب باشو قبلها بعام في 1827 ، لذا يعد الرحالة باشو اول من لفت الانتباه اليها ، فقد قام بوصفها ايضا ورسم المشاهد التي تحملها تلك اللوحات، وهو لم يعلم بان احدا قد قام برسمها قبله ، لانه لم يعلم برحلة الاخوين بيتشي الى قوريني ، وقد ابدع باشو في رسم تلك اللوحات مقارنة برسم فردريك بيتشي الذي يفتقد عمله الدقة، ومازال عمل باشو يعول عليه في معرفة الكثير من تفاصيل تلك اللوحات التي محيت بفعل الزمن .
وبعد رحلة باشو بقيت اللوحات تزين تلك المقبرة لمدة اثنين وعشرين عاما ،أي الى عام 1847 عندما زارها صائد الكنوز الفنية نائب القنصل الفرنسي في بنغازي المدعو جوزيف فاتييه دي بورفييل مسترشدا بكتاب باشو فاعجبته تلك اللوحات وعزم على ان ينتزعها لينقلها الى فرنسة[i]، وبالفعل قام بقطعها ثم نقلها الى بنغازي ومنها الى فرنسة حيث ماتزال تعرض في متحف اللوفر.ولم يسدل الستار على تلك اللوحات بعد ذلك فهذا العمل المشين قد اثار الرحالة الذين زاروا المقبرة ـ بعد ذلك ـ وهي خالية من لوحاتها الرائعة ، ووجهوا النقد الى بورفييل فهذه اول مرة تقطع فيها العناصر المعمارية لترسل خارج ليبيا ، من بين اولئك الرحالة هانريش بارث الذي زار المقبرة بعد عمل دي بورفييل بفترة وجيزة وذكر ان المقبرة قد تعرضت لتدمير كبير ، اما جيمس هاملتون فقد وقف طويلا امام هذا التخريب في زيارته لمدينة قوريني عام 1852 وانتقد عمل دي بورفييل بقوله " ان الحصول على هذه اللوحات واقتناءها لن يضيف سوى القليل جدا لنفائس متحف اللوفر ، فغيابها عن هذا المكان يعد خيبة امل عظيمة لعشاق الفن والتاريخ القديم" ، ويذكر سميث وبورتشر عند زيارتهما لنفس المقبرة انهما لم يجدا فيها أي جمال امام التدمير الشامل الذي لحق بها بسبب انتزاع الواجهة المعمارية التي تحتوي على الالواح المزخرفة وكانت تزخرف المقبرة من الداخل ، وعلى الرغم من انهما حاولا ايجاد الكثير من المبررات لنقل الاثار من مكانها الا انهما لم يوافقا على عمل دي بورفييل مهما كان السبب الذي دفعه الى انتزاع تلك اللوحات. ومهما قيل فان انتزاع اللوحات وارسالها الى فرنسة افقد المقبرة الكثير من جمالها.
موقع المقبرة ودراستها معماريا :-
وقبل تناول تلك اللوحات بالدراسة والتحليل ، يجدر التطرق الى موقع المقبرة التي كانت تزخرفها هذه اللوحات فقد حدد باشو وبيتشي ودي بورفييل وهاملتون وسميث وبورتشر موقعها في وادي بلغدير ومن منطلق الوصف الطبوغرافي الذي تركه هولاء الرحالة لموقعها استنتج كاسيلس(Cassles)[ii] انها تقع في الجانب الغربي من حلق ستاوات[iii] ولكن صعب على الاثريين الايطاليين[iv] الاهتداء الي موقع المقبرة بعد التحريات التي اجروها في اوائل السبعينيات بالجبانة الغربية ،وقد اعاد الاستاذ باكيللي تحرياته عن موقع المقبرة في صيف 1993 ف ويعتقد انه توصل الى موقعها في الجانب الايمن من حلق ستاوات الذي يؤدي الى وادي بلغدير و يذكر ان واجهتها المعمارية ذات قوصرة (Pediment) ، وان التدمير ما يزال ظاهرا للعيان بيد انه لم يحدد هذه المقبرة بشكل دقيق ولم يذكر رقمها [v] ، وينطبق الوصف السابق على المقبرة رقمW 21 فهي تملك واجهة بقوصرة[vi] وتقع الى الشمال من المقبرتين رقم W 18 و 20 ومن ثم فان ترجيح كاسيلس[vii] لموقعها بانه لا يبعد عن المقبرتين رقم W 97 و W98 يعد خاطئا . وسوف يساعد رسم الاخوين بيتشي للواجهة المعمارية الداخلية التي تحمل اللوحات المزخرفة في معرفة طراز المقبرة ،خاصة بعد ان تم التعرف على المقبرة في حد ذاتها ، عموما ينسب طرازها الى القبور المنحوتة في الصخر التي انتشرت بكثرة في جبانات قريني[viii] ، وكانت تنحت في السفوح الصخرية المطلة على الأودية وخير مثال على ذلك قبور الجبانتين الشمالية والغربية ، وهي من الطراز المتأخر من القبور المنحوتة في الصخر ، فذا كانت هذه المقبرة بالفعل هي رقمW 21 فهي ذات واجهة معمارية منحوتة في الصخر يواجه مدخلها الوحيد جهة الشرق تعلوه مجموعة من الكوات ، و قد زخرفت هذه الواجهة من طرفيها بدعامتين معشقتين والتي بدورها تحمل وصرة نحتت في الصخر الطبيعي وكان يواجه الداخل الى هذا الطراز من القبور ساحة آو فناء تطل عليه القبور الفردية التي كانت في شكل حجرات طويلة وضيقة ، يتراوح عددها من حجرة الى ثلاث حجرات ، تتقدمها واجهة معمارية منحوتة في الصخر ، وقد كانت الواجهة الداخلية لهذه المقبرة تقع على يمين الداخل آو في الناحية الشرقية من المقبرة ، أي أنها لا تقع على محور واحد مع المدخل ، ويمكن ان توصف هذه الواجهة من خلال رسم بيتشي (صورة رقم ) أبانها واجهة معمارية منحوتة في الصخر ـ ليس لها أي ناحية وظيفية بل جمالية فقط ـ يتوسطها مدخل متسع مزخرف بزخرفة أي ونية تمثلت في البيضة و السهم لونت باللونين الأحمر و الازرق ، وقد زينت هذه الواجهة بنصفي عمود من الطراز الدوري تظهر بهما اخاديد ايونية ،وطلي تاجهما الدوري باللون الاحمر، يعلو هذا المدخل الجزء المعماري المحمول فوق الاعمدة او الواجهة المعمارية (Entablature) التي يبلغ عرضها ما يعادل سبعة اقدام اتيكية (205.8 سم ) ، وهي تتكون من ساكف(Architerave) مستوي خال من الزخرفة ، يعلوه افريز يبلغ ارتفاعه 22.5 سم ويتكون من ست لوحات مربعة (Metopes) يحمل كل منها مشهدا مختلفا ، ويبلغ عرض كل مربع 18.3 سم (ما يعادل خمسة اثمان القدم الاتيكية)، وقد زخرفت من الاعلى بشريط يحتوي على سبع وريقات من نبات الفارتيمون المائي طليت باللونين الابيض و الاحمر بالتناوب على ارضية ذات لون رمادي قاتم ،و يفصل هذه اللوحات عن بعضها سبع من الالواح الثلاثية الاخاديد (Triglyphs) المطلية بطلاء ازرق ، و تنتهي من الاسفل بشريط مستوِ (Mutuli) تتدلى منها نتوءات بارزة (Guttae) زرقاء اللون، وتنتهي هذه الواجهة بكورنيش (Corince- Geison) بسيط زخرف بشريط من زخرفة البيضة والسهم في لون اصفر على ارضية حمراء اللون.
وعند تحليل هذه الواجهة الدورية من الناحية المعمارية فيمكن القول ان ابرز ما يميزها ظهور بعض الملامح الايونية يذكر منها وجود الكيماتيون (Cymation) فوق تاج العمود ، وظهور اخاديد العمود بنهايات مستوية وليست حادة ، كذلك وجود زخارف معمارية مثل البيضة و السهم ، وزخرفة النتوءات البارزة اعلى المدخل ، اضافة الى ظهور الالواح الثلاثية الاخاديد بشكل مستوِ مسطح ، وهذا كله ساعد في تأريخ هذه المقبرة باواخر القرن الثالث واوائل القرن الثاني ق.م. بناء على ظهور العناصر الايونية السابقة في العمارة القورينائية خاصة في المقابر المشابهة لها بوادي بلغدير رقم W16 ، 20 ، 97 ، 98 ، كما توصل الاستاذ باكيللي الى ان نسب ابعاد هذه الواجهة المعمارية لا تختلف باية حال عن نسب العمارة الهللنيستية في قوريني[ix].
دراسة اللوحات المزخرفة:-
وعند دراسة تلك اللوحات المزخرفة بما تحمله من مشاهد تواجه الدارس عدة مشاكل لعل اهمها :-
اولا :الحالة السيئة التي كانت عليها الرسومات عند اكتشافها ، فاغلب الرسومات كانت مهترئة خاصة الاجزاء السفلية منها ، وهذا يبدو بسبب ان المقبرة كانت مغلقة لفترة طويلة حوالي اكثر من ألفي سنة ثم تعرضت فجأة للظروف الطبيعية والاحوال الجوية التي كانت سائدة في المنطقة والتي اثرت بدورها سلبا على الرسومات ، كما انه لا يعلم كيف استغلت منذ فتحها هل للسكن من قبل اهل المنطقة كما حدث في عدة قبور؟ أم اشعلت فيها النيران ؟ أم تعرضت لظروف اخرى اثرت على ثبات تلك الرسومات ، ومن ثم اثرت بدورهاعلى فهم تلك المشاهد ، وادى ذلك الى التباين في الرسوم التي قدمها الاخوان بيتشي مقارنة مع التي رسمها باشو على سبيل المثال ظهور شجرة في المشهد الثاني عند باشو واختفائها في رسم بيتشي لنفس المشهد ، وظهور حوض استحمام في المشهد الخامس عند باشو بينما رسمه بيتشي في شكل قاعدة ،و رسم باشو سريرا في المشهد السادس بينما يظهر عند بيتشي جزء من قارب ، وتظهر الفتاة في نفس المشهد راقدة على السرير عند باشو ، اما عند بيتشي فتظهر وكأنها تهم بان تصعد الى القارب ( قارن بين الصورتين رقم 1،2 ).
ثانيا: ما نتج عن إزالتها بطريقة عشوائية اضرت بالاثر فقد قطع دي بورفييل الواجهة المعمارية (Entablature) الى ست لوحات منفصلة كل لوحة (Metop) تحمل مشهدا واحدا على جانبيه جزء من الالواح الثلاثية الاخاديد (Triglyph) ومن ثم فأن ترتيب اللوحات كما كانت اصلا غير معروف تماما ، وعلى الرغم من رسم بيتشي وباشو لها قبل ازالتها فان هذا لم يقدم الكثير في هذا الصدد فهناك اختلاف واضح بين العملين، فعند النظر الى رسم بيتشي يلاحظ انه ركز على المشاهد المصورة على اللوحات فقط ، اما باشو فقد رسم الواجهة بكل عناصرها المعمارية وما تحمله من مشاهد ولكن عن طريق تقسيمها الى جزئين ، وهذه الطريقة ايضا لم تقدم تصورا واضحا على ترتيبها الاصلي ، وفي نفس الوقت هناك تباين بين رسم بيتشي و باشو للمشاهد وترتيبها على سبيل المثال المشهد الخاص بفتاة الارجوحة فعند بيتشي المشهد الخامس بينما يكون عند باشو المشهد الرابع ويبدو ان هذا هو الصحيح ، عموما ان هذه المشكلة قد انعكست على تفسير المشاهد وحدة واحدة او يكمل كل منهما الاخر.كما ادت ازالتها بتلك الطريقة الى ضياع الكثير من التفاصيل الزخرفية المعمارية مما نتج عنه صعوبة الدراسة المعمارية لهذه الالواح وايجاد عناصر مشابهة لها، وتم الاعتماد في دراستها على الرسم الذي نسخه بيتشي لتلك الواجهة (صورة رقم 3 ) .
ثالثا: يبدو ان الالوان المستخدمة في تلوين المشاهد كانت من النوع الرديء ، قد يدل على ذلك ان الفتيات اللاتي تظهر في المشاهد والبالغ عددهن إحدى عشرة فتاة يظهرن في لون اسود مما دعا الرحالة مثل باشو ومن نقل عنه مثل هاملتون وسميث وبورتشر ان يعدوا هذه المقبرة لفتاة زنجية[x]، بيد ان الاخوين بيتشي اعتقدا انها مقبرة لفتاة اغريقية[xi] على الرغم من اللون الاسود ، وهما على صواب فالملامح لا تظهر بها اية سمات زنجية بل متوسطية ، وهذا ما دعا الرحالة بارث الى ان يعد هذا اللون نتج من اختلاط العناصر المحلية بالاغريقية[xii]، كما ان مشكلة اللون قد حلت ايضا فقد اشار رايبر (Raeber)[xiii] الى ان هذه الالوان غير اصلية وقد نتجت بسبب عملية الاكسدة (Oxidisation) التي ربما ادت الى تحول اللون الابيض او الرصاصي الى لون رمادي او اسود[xiv] ،وحلت المشكلة في عام 1973 ف بشكل نهائي وقطعي فقد قام المعمل التابع للمتاحف الفرنسية باخضاع تلك الالوان الى التحليل لمعرفة تركيبها ، وقد تبين من خلال النتائج التي تم التوصل اليها والدراسة المجهرية الدقيقة للون الاسود وجود طبقات رقيقة جدا ذات لون فاتح (اشقر) ، وان اللون الاسود ما هو الا اكسيد الكربون[xv].
وبعد استعراض اهم المشاكل التي تعترض دراسة تلك اللوحات يجدر تناولها بالوصف و التحليل :
اللوحة الاولى:
تمثل هذه اللوحة مشهدا لفتاتين جالستين متقابلتين على قاعدة ربما تمثل كرسيا (سريرا) ، ويلفت النظر في هذا المشهد ان كل فتاة تضع يديها بوضعية معينة ، فتضع الفتاة التي على اليمين يدها اليمنى وهي مفتوحة على فمها وذقنها وكأنها تغلق فمها بينما يدها اليسرى ممدودة على فخديها او كأنها تسند رأسها براحة يدها اليمنى ، اما الفتاة الاخرى فتضع يديها بين وجهها، وتستند بمرفقيها على ركبتيها ،اما لباس الفتاتين فهو الثوب المعروف عند الاغريق باسم الهيماتيون(Himation) والغريب ان الثوب منسدل الى الاسفل ومتجمع عند الخصر ومن ثم فقد ترك الجزء العلوي للفتاتين عاريا ، ويبدو ان لون الثوب احمر حيث تظهر اثار هذا اللون على ثوب الفتاة الجالسة يمين المشهد ، وتتزين الفتاتان بالاسوار والاقراط التي تظهر في لون ذهبي ، اما الشعر فهو احمر اللون وصفف بحيث يتجمع خلف الراس ثم يربط بشريط من الصوف او ما يسمى عند الاغريق كروبيلوس(Krobylos) .
يلاحظ انه لا يوجد اختلاف بين رسم بيتشي وباشو للفتاتين بيد ان الجزء السفلي من المشهد مختلف فالجزء الذي تجلس عليه الفتاتان ضائع عند بيتشي بينما يبدو عند باشو يمثل سريرا او ما شابه ذلك .
وليس من السهل تفسير المشهد فربما يمثل فتاتين تتجاذبان اطراف الحديث او بالاحرى إحداهما تتكلم والاخرى تنصت ، ولكن الاقرب ان يكون مشهدا صامتا يعبر عن الحزن او البكاء وقد يوحي بهذا وضعية ايدي الفتاتين .
وقبل تحليل هذا المشهد من الضروري تحديد المكان الذي صور فيه المشهد او ماهية الشيء الذي تجلس عليه الفتاتان هل يمكن ان تكون الفتاتان جالستان على قبر مثلما يعتقد ستوكي ومن بعده باكيللي[xvi] او جالستان على سرير او مصطبة ؟ وفي هذا الصدد فان اهتراء الجزء السفلي من المشهد انعكس سلبا على تفسيره، وعلى الرغم من ذلك فان عادة الجلوس على القبور اثناء زيارتها كانت موجودة عند الاغريق لكنها لم تكن منتشرة فقد صورعلى لوح من الطين المشوي معروضا في اللوفر مشهد لاليكترا واوريستس تجلسان على قبر اجاممنون[xvii] ، وهذا ما اعتمد عليه باكيللي للقول بان الفتاتين في اللوحة الاولى تجلسان على قبر ، ولكن عند النظر الى النساء في ذلك اللوح يلاحظ انها تظهر مدثرات بعباءتهن وهن يقدمن القرابين او يجلسن على القبر او جانبه ، وعلى خلاف ذلك يظهر الجزء العلوي من الفتاتين في اللوحة الاولى عاريا ، وهذه الوضعية غير مناسبة للنساء عند زيارة القبور التي تتطلب الوقار وارتداء لباس الحداد ، كما ان لباس الخروج للمرأة الاغريقية يغلب عليه التستر و الاحتشام[xviii] ، اضافة الى ان ملامح القبر المزعوم لا يظهر منه أي شيء في مشهد اللوحة الاولى ، وربما تدل الخطوط الباقية من الشيء الذي تجلس عليه الفتاتان على انه كرسي او أي نوع من المصاطب المناسبة للجلوس. ومما سبق يمكن القول ان مشهد الفتاتين لم يصور فوق قبر في مقبرة انما صور في مكان ما داخل منزل اعتمادا على اللباس ومقارنة هذا المشهد مع العديد من المشاهد الجنائزية الإغريقية ، وعند تحليل هذا المشهد ومقارنته بما ظهر في الفن الاغريقي خاصة في العصر الهللنيستي ، يبدو انه من الموضوعات المألوفة ، فقد انتشر موضوع الجلوس للبكاء على الميت وندبه في الفن الجنائزي سواء في النحت البارز المتمثل في شواهد القبور ، ام على التوابيت ، ام على الاواني الفخاري التي تصور مشاهد جنائزية وغيرها من ضروب الفن الاخرى ، والجلوس للبكاء على الميت كان يعقب عملية تجهيز الميت للدفن او مايسمى عملية العرض (Prothises)، حيث يوضع الميت في فناء البيت لكي يندبه اهله وأقرباؤه او نساء مستأجرات لهذا الغرض ، وهي من الطقوس المهمة التي كان يحرص الاغريق على أدائها . ومن مشاهد البكاء في الفن الاغريقي هناك نحت بارز على الحجر وعلى لوح من الطين المشوي يصور فيها مشهد بكاء الميت اصدق تمثيل[xix] ،كما يظهر بتابوت صيدا العديد من النساء الباكيات[xx] بوضعيات متابينة لا تختلف في عمومها عما ظهر في مشهد مقبرة قوريني ، اما الوضعية التي ظهرت في اللوحة الاولى لا تكاد تختلف عن مشهد مشابه على لوح مربع من مقبرة باثينا[xxi]، و تعبر وضعية اليد اليمنى للفتاة التي على يمين المشهد على الحزن ، ويلاحظ ان هذه الوضعية ظهرت بكثرة في الفن الاغريقي خاصة في النحت البارز (شواهد القبور) مثلما في اثينا ودلفي وبيرجامون و الاسكندرية، و كذلك في الرسوم الجدارية في بومبي[xxii]،ومما يلفت الانتباه ظهور الجزء العلوي من الفتاتين عاريا ، وهذا قد يعبر عن الجلسة الطويلة للفتاتين مما استوجب نزع العباءة من الجزء العلوي ، ويجدر بالذكر ان ترك الجزء العلوي في مجالس السمر كانت شائعة بكثرة عند الرجال مقارنة بالنساء ، وقد ظهرت امثلة عديدة لنساء بنفس الطريقة و هذا ما برهن عليه الفن الاغريقي بمختلف انواعه[xxiii] ، كما ان وضعية الفتاة التي على يمين المشهد تظهر مطابقة تماما الى وضعية فتاة على اناء من فخار الصور الحمراء الاتيكي المعروض بمتحف لينينغراد[xxiv] ، ويمكن مقارنة وضعية نفس الفتاة مع وضعية الشاعر في لوح من النحت البارز بقوريني تظهر به ارتميس ونيوبيد و هرميس وهو يرجع الى القرن الثاني ق.م[xxv].
اللوحة الثانية :
جسد على هذه اللوحة مشهدا لفتاة جالسة تسند ظهرها بانحناء على جذع شجرة وهي ترفع يدها نحو فمها وتسند مرفق يدها على ركبتها ، تقابلها فتاة او سيدة واقفة تمسك بيدها اليمنى عصا او قضيب تشير به نحو الفتاة الجالسة ، اما يدها اليسرى فترفعها نحو فمها المفتوح وكأنها تعلم الفتاة الجالسة كيف تنطق او تتهج بعض الكلمات ، وتبدو الفتاة الجالسة كأنها تقلد نفس حركة السيدة الواقفة،لايختلف اللباس عن اللوحة الاولى بيد انه هنا اكثر وضوحا خاصة زي السيدة الواقفة التي ترتدي هيماتيون احمر اللون تكثر به الثنايا وهي تمسك به بيدها اليمنى عند الخصر تاركة الجزء العلوي من جسدها عاريا ، وقد صور المشهد في وضعية الثلاثة ارباع مع ملاحظة ان السيدة الواقفة تستند في وقفتها على رجلها اليسرى بينما اليمنى مرتدة الى الخلف وكأنها تلامس الارض باصابع القدم فقط.اما جذع الشجرة الذي يظهر على يمين المشهد فهي ذات لونا بني وبها فرعان دون اوراق في الاعلى ، ويمكن مقارنة هذا الجذع بمثيل له ظهر في مشهد على لوح من النحت البارز يصور المؤلهة اثينا واريخيثوس يتوسطهما جذع شجرة[xxvi] ، كما صور هيراكليس على ممزج من فخار الصور الحمراء الاتيكي[xxvii] مستندا على شجرة بوضعية لا تختلف عما ظهر في اللوحة الثانية .
اما عن تفسير هذا المشهد فقد اجمعت الاراء[xxviii] على انه يمثل عملية تعليمية فالسيدة الواقفة تمثل المعلمة والفتاة الجالسة هي المتلقية (التلميذة) ، ولعل ما دفع الى هذا التفسير مسك السيدة الواقفة عصا في يدها اليمنى التي ـ من المؤكد ـ تمثل العصا التي يستخدمها المعلمون اثناء التدريس ، وهذا يمكن مقارنته بمشهد اخر يظهر به معلم يحمل عصاه[xxix] ، وقد تكون المعلمة هي أم الفتاة تقوم بتعليمها في حديقة المنزل التي لم تظهر منها سوى شجرة فقط ، والجدير بالذكر ان مهمة تعليم الفتيات كانت في الغالب تقع على عاتق الامهات وقد برهن الفن الاغريقي على ذلك[xxx] ، ومما يلفت الانتباه هي الحركة التي تقوم بها الفتاة الجالسة (التلميذة) باصابع يدها اليسرى ، والتي قد تفسر على انها تقوم بالعد او جمع اعداد بواسطتها او تشير للمعلمة بعدد بواسطة أصابعها، ومن ثم فان الدرس الذي تقوم المعلمة بإلقائه درس في الحساب ، وجدير بالذكر ان عملية الجمع باستخدام الاصابع كانت من العمليات الحسابية الشائعة[xxxi] ، كما ان الاشارة بالاصابع الى الاعداد او الارقام الحسابية كانت معروفة ومنتشرة في التعليم الاغريقي في مراحله الاولى ، كما كانت تستخدم هذه الطريقة في الحياة العامة عند عمليات البيع والشراء او عند ممارسة بعض الالعاب[xxxii] وهناك امثلة عديدة في الفن الاغريقي تبرهن على ذلك مثل صورة السيدة المُجسدة على اناء من فخار الصور السوداء الاتيكي التي تشير بيدها اليسرى للعدد واحد وثلاثين وهي تبيع الزيت لبعض الزبائن ، ، كما يظهر تمثال لرجل يعد بأصابعه ربما يكون تمثال الفيلسوف اراتوس او خريسيبوس (Chrysippus)[xxxiii].
ويعد هذا المشهد التعليمي من المشاهد المهمة التي تعزز اهتمام مجتمع قوريني بتعليم المرأة[xxxiv] ، حيث وصلت المرأة الى مكانة تعليمية مميزة في مجتمع قوريني ولعل اصدق تعبيرا على ذلك الفيلسوفة اريتيه أي الفضيلة التي تزعمت المدرسة الفلسفية القورينائية بعد وفاة ابيها الفيلسوف ارسطيفوس[xxxv] .
اللوحة الثالثة :
تصور هذه اللوحة مشهد لفتاتين واقفتين ، ويظهر جسد كل منهما في وضعة مواجهة بينما الرأس في وضعة جانبية، و يبدو ان إحداهما تتقدم عن الاخرى ،تحمل الفتاة التي توجد على اليسار سلة ذات لون ما بين الاصفر و البرتفالي على كتفها الايسر وهي تمسكها من الاسفل بيدها اليسرى ومن الاعلى بيدها اليمنى التي ترتفع اعلى الرأس ، كما تسند جانب السلة برأسها، وتظهر السلة كأنها مملوءة بمادة حمراء اللون ربما تكون صوفا، وترتدي هذه الفتاة الثوب الاغريقي الذي يسمى الخيتون يعلوه من الاعلى العب اي الكولبوس() عند الاغريق وهو ذو لون ازرق مخضر، وقد اظهر هذا اللباس ذراعيها عاريتين ، كما تنتعل حذاء احمر اللون، ولا يظهر انها كانت تتزين بأي نوع من الحلي ، ويبدو ان هذه الفتاة هنا تمثل خادمة او تابعة تحمل ادوات خاصة بسيدتها التي صورت في يمين المشهد وهي ملتفة برأسها للخلف و تشير اليها بيدها اليمنى ان تتبعها.عموما الفتاة الاخرى او السيدة لا تختلف نوعية لباسها عن الفتاة السابقة او الخادمة الا ان لونه ابيض ، كما انها تتزين بإسورة في يدها اليمنى و قلادة في رقبتها ، وقد صورت وكأنها تمشي حيث تتقدم القدم اليسرى عن اليمنى ، وهي تحمل بيدها اليمنى المرفوعة الى الاعلى قليلا عصا صغيرة زرقاء اللون بينما تمسك بيدها اليسرى المنسدلة الى جانبها عصا اطول مقارنة بالاخرى ذات لون برتقالي ملفوف حولها خيوط ذات لونين احمر وازرق قاتم ربما تفسر على انها تحمل مغزلا وخيوطا ، وقد اظهر رسم باشو السيدة وهي تمسك بالعصي بينما لم يظهرها الاخوان بيتشي عند رسم نفس اللوحة ، كما ان باشو صور السيدة بحجاب يغطي الرأس بينما بيتشي لم يصورها هكذا (قارن بين اللوحتين)، وفي الواقع فهي ترتدي نوعا من غطاء الرأس غطى اغلب الشعر الاحمر اللون.
يبدو ان المشهد يمثل خادمة او وصيفة تحمل سلة صوف لسيدتها التي تتقدمها حاملة مغزلا وخيوطا ، وذلك استعدادا لعملية الغزل والحياكة[xxxvi] ويمكن مقارنة صورة الوصيفة بمشهد مشابه لسيدة او خادمة ترتدي نفس اللباس وتحمل سلة على كتفها جسد على اناء من فخار الصور الحمراء الاتيكي ينسب الى رسام مرسياس[xxxvii] ، ويعد الغزل و الحياكة من اهم انشطة المرأة الاغريقية في المنزل[xxxviii] وتحرص الامهات على تدريب بناتهن على هذا العمل لاهميته في حياتهن بعد الزواج ، كما كان يجب على ربة البيت ان تتقن مثل هذه الاعمال ، وقد قدم الفن الاغريقي نماذج عديدة على عملية الغزل والحياكة في مشاهد الفخار وفي النحت البارز الجنائزي[xxxix] التي تختلف عن مشهد اللوحة الثالثة ، ولكن ظهور الخيوط والسلة المملوءة بالصوف تبرهن على انه مشهد غزل وحياكة ، وجدير بالذكر انه قد ظهرت سلة صوف مشابهة لها على حقة من فخار الصور الحمراء الاتيكي[xl] .
اللوحة الرابعة :
تمثل هذه اللوحة مشهدا لفتاتين إحداهما جالسة على إرجوحة بينما الاخرى واقفة ترفع ثوبها من الاسفل كأنها تستعد لتأخذ دورها في اللعب بالارجوحة، وبسبب قلة مشاهد تصوير اللعب على الارجوحة في الفن الاغريقي فقد اطلق الايطاليون على هذا المقبرة " مقبرة الارجوحة" (Tomba Dell' Altalena)[xli]، توجد الارجوحة على يمين المشهد حيث يتدلى حبل من الاعلى احمر اللون غير معروف باي شيء مثبت او مربوط ، وتجلس فتاة على حبل الارجوحة مباشرة وهي تمسك بيديها الحبل في مستوى رأسها ، ورجلاها مضمومتان وممتدتان الى الامام مع وجود انثناء بسيط عند الركبتين ، وهذا الوضع يعبر عن حركة الارجوحة إضافة الى شكل الثوب المنفرج من الاسفل مما يؤكد ان الفتاة صورت وهي تتأرجح وليست ثابتة ، ترتدي هذه الفتاة ثوبا (خيتون) يتراوح لونه ما بين الاصفر و البرتقالي مع العب (الكولبوس) ، وتنتعل حذاء لونه بني قاتم ، وتتزين باساور واقرط و قلادة ، وقد صفف شعرها الاحمر اللون الى الخلف . اما الفتاة الواقفة فتظهر كأنها خلف الارجوحة وليست الى جانبها وقد صورت في وضع مواجهة وترتدي ثوبا ـ لا يختلف عن ثوب الفتاة الاخرى ـ تمسك به بيديها من المنتصف وترفعه الى الاعلى ، وتميل برأسها الى اليمين قليلا ، يلاحظ ان الجزء السفلي من الفتاة ضائع ولم يبقَ منه الا جزء من حذاء القدم اليمنى ، وتتزين بأساور في معصميها ، ويلاحظ ان الشعر قد صفف الى الخلف وتم ربطه بما يسمى كروبيلوس () . وتجدر الاشارة الى وجود اختلاف واضح بين رسم الاخوين بيتشي ورسم باشو للمشهد (قارن بين اللوحتين) .
ولا يحتاج المشهد الى جهد في تفسيره فهو يمثل مشهد لعب فتاتين بأرجوحة إحداهما تلعب بها والاخرى تنتظر دورها او ربما كانت تدفع الارجوحة ، ولم تجسد لعبة الارجوحة بكثرة في الفن الاغريقي فقد ظهرت بقلة على الفخار الاغريقي حيث يشاهد فتاة تدفع فتاة اخرى تتأرجح او ساتير يدفع فتاة[xlii] ، وعادة ما تمارسها الفتيات في فناء او حديقة البيت.
اللوحة الخامسة :-
صور في هذه اللوحة ايضا مشهد آخر لفتاتين بوضعة الثلاثة ارباع إحداهما واقفة والاخرى جالسة ، تظهر الفتاة الواقفة على يسار المشهد مرتدية ثوبا (خيتونا) تعلوه عباءة (هيماتيون) ذات لون ما بين الاصفر ـ والبرتقالي تمسكها بيدها اليمنى الممتدة افقيا اسفل الصدر بينما تمسك اليد اليسرى ـ الممتدة راسيا ـ بطرفها عند الكتف الايسر خشية وقوعها من الرأس التي تغطيه او ان وضعها بهذا الشكل يعد مكملا للتعبير عن وضعية كشف الوجه او تعريته () ، وقد صور راسها مائلا (منكسا) نحو الكتف الايسر تأكيدا على حزنها ، وهي تتزين باقراط في أذنيها واسورة بيدها اليمنى ، وتنتعل حذاء في رجليها ، ومما يلفت النظر تحديد الشكل الخارجي للسيدة بخطوط قاتمة ، وكأن الرسام قد قام برسم اولي للشكل ثم أكد على خطوط الشكل مرة اخرى لتظهر في صورتها النهائية قاتمة وغائرة مقارنة ببقية خطوط الاشكال الاخرى .اما الفتاة الجالسة فتوجد على يسار المشهد وقد ضاع الجزء الاكبر منها بما فيه الشيء الجالسة عليه ، الذي ربما يكون صخرة او أي شيء قد يكون مناسبا للجلوس .ولا يختلف لباس هذه الفتاة عن لباس الفتاتين في اللوحة الاولى حيث يظهر الجزء العلوي عاريا ، وقد صورت الفتاة وهي تضع ذراعها الايمن على راسها المتجه نحو اليسار قليلا ، اما اليد اليمنى فهي تستند بها على الشيء الجالسة عليه ، وتتزين هذه الفتاة بقلادة واساور واقراط ، ظهر شعرها في لون احمر لا يختلف عن لون الثوب الذي يغطي الجزء السفلي منها . وجدير بالذكر ان هناك اختلافات بين رسم بيتشي و باشو لاجزاء من هذا المشهد سبقت الاشارة الى بعضها (قارن بين الصورتين 1،2) .
لعل اهم ما يلفت النظر في هذا المشهد هي وضعية الفتاة الجالسة التي تضع يدها على راسها وتعبر هذه الوضعية عن الاسترخاء او النوم وقد كانت منتشرة في الفن الاغريقي بانواعه وقد ارتبطت كثيرا ببعض المؤلهين والمؤلهات من بينهم ديونيسوس الذي صور مع ارياني على الطين المشوي في ميرينا، كما صور نفس المؤله بنفس الوضعية على اناء معدني بمتحف سالونيك ، وهناك تمثال لابوللو يضع يده على رأسه من ديلوس[xliii] ، كما ارتبطت وضعية الاسترخاء هذه بالطريقة التي تجسد بها إنديميون (Endymion)وهي نائمة بينما سيلين (Silene)قادما لزيارتها وقد كانت هذه الاسطورة من المواضيع المحببة على التوابيت الاغريقية والرومانية ،وظهرت نساء بنفس الوضعية في الرسوم الجدارية في بومبي المعروضة الان في متحف نابلي الوطني[xliv]كما ظهرت نفس الوضعية على شاهد قبر لشاب من رودس[xlv] يرجع الى اوائل القرن الثالث ق.م. .ومما يلفت الانتباه في تصوير الفتاة الواقفة هي وضعية يدها اليسرى التي تظهر كانها تكشف بها عن وجهها الذي كان مغطى بشال وهذه الوضعية اضافة الى وضعية يدها اليمنى التي تمسك بالعباءة وكذلك وجود الشال اعلى الرأس تذكر بالتماثيل النصفية الجنائزية القورينائية[xlvi] ، واذا كان الفنان قد رسم شكل الفتاة كاملا الا انه قد حدد ثلاثة ارباع جسمها من الاعلى بلون قاتم ليربطها بالتماثيل السالفة الذكر ، وتجدر الاشارة ان ظهور هذه الهالة حول هذه الفتاة ربما ليوضح الفنان ايضا مكانتها واختلافها عن بقية الشخصيات ، وتجدر الاشارة الى ان السيدة الواقفة تذكر بالسيدات الحزينات ـ سواء من حيث اللباس ام الوضعية ـ التي كانت تصور على شواهد القبور الاغريقية[xlvii] ، كما ان الهالة التي وجدت حول السيدة ربما لا يقصد بها أي رمز ديني فقد عرفت هذه الطريقة في رسوم جدارية من مقبرة مصطفى باشا بالاسكندرية[xlviii] وقد لوحظ ان جميع الرسوم قد احيطت بهالة سوداء سواء كانت آدمية ام حيوانية ام جمادا ومن ثم فان هذا ينفي عنها الصبغة الدينية .
وقبل تفسير هذا المشهد يجدر التعرف على شخصية الفتاتين او بالأحرى الفتاة والسيدة ، ومما تقدم يبدو ان الفتاة الجالسة تمثل فتاة المقبرة (الميتة) في لحظة استرخاء او نوم بينما السيدة الواقفة قد تمثل المؤلهة بيرسفوني وصورت في اللحظة التي تكشف فيه عن وجهها او ما يعرف عند الاغريق باسم إيبيفانيا(Epiphania) وليس غريبا تصوير بيرسفوني في المقابر لعلاقتها بعالم الاموات كما ان تصويرها ليس الاول من نوعه فقد صورت على رسوم جدارية في بعض مقابر جنوب روسيا التي تعود الى العصر الهللينيستي[xlix]، ومما سبق يمكن ان يعبر هذا المشهد عن موت الفتاة وتجلي مؤلهة الموت لها[l] ، و يبدو ان المشهد بصورة عامة يعبر عن الحزن الذي جسده الفنان من خلال تصوير وضعية الفتاتين وملامحهما التي تعبر على ذلك.
اللوحة السادسة :
يختلف هذا المشهد عن المشاهد السابقة في انه يصور رجلا و فتاة وليس فتاتين ، ويظهر الرجل في هيأة عجوز ملتحي يساعد فتاة في الركوب في قارب احمر اللون يظهر الجزء الخلفي منه (مؤخرته) ، وقد صور العجوز في داخل القارب فلا يظهر منه الا الجزء العلوي فقط الذي غطي برداء ازرق اللون باستثناء الكتف الايمن والذراعين التي تظهرعارية ، اما الفتاة فهي تقف الى جانب مؤخرة القارب وتثني ركبتها اليسرى كأنها تركب سلم او تصعد ربوة صغيرة لتصل الى القارب وفي نفس الوقت تمد يدها اليمنى الى العجوز الذي يمسك بها ويجذبها نحوه لمساعدتها في ركوب القارب ، وقد صور جسدها في وضعية الثلاثة ارباع بينما الرأس في وضع جانبي ، وهي ترتدي ثوبا (خيتون) وعباءة (هيماتيون) سوداء اللون تغطيها بالكامل باستثناء الذراع اليمنى . و يلاحظ ان رسم الاخوين بيتشي و باشو لهذا المشهد مختلف وكلاهما صور القارب على هيأة سرير ترقد عليه الفتاة (عند باشو) او ان العجوز يساعد الفتاة على ركوب السرير (عند بيتشي) (قارن بين الصورتين رقم 1 ، 2).
و يبدو ان هذا المشهد مرتبط بطقوس الحياة الاخروية عند الاغريق ، فالعجوز هنا يمثل خارون الذي ينقل الاموات الى هاديس عبر بحيرة او نهر ستيكس(Styx) بقاربه ، اما الفتاة فقد تكون المتوفاة التي عملت المقبرة من اجلها. يرتدي خارون الثوب الذي يعرف عند الاغريق باسم إيكسوميس () والذي كان يرتديه العمال والبحارة والعبيد لانه يناسب ممارسة الاعمال التي تحتاج الى جهد ومشقة ، وكثيرا ما ظهر خارون مرتديه في المشاهد التي صور فيها في الفن الاغريقي خاصة على قنينات الزيت الاتيكية ذوات الارضية البيضاء التي تحمل مشاهد جنائزية[li] ، كما ان الجزء الخلفي من القارب لايختلف باي شكل عن قارب خارون الذي ظهر في المشاهد السابقة او مشاهد اخرى[lii].ويعكس ظهور مشهد خارون في هذه المقبرة مشاركة القورينائيين لبقية الاغريق في الاعتقاد بان خارون هو الموكل بنقل الاموات الى هاديس ، ولقد برهنت حفريات القبور في قوريني على وجود هذا الاعتقاد عن طريق العثور على قطع العملة بها التي تمثل اجرة لخارون مقابل نقله الاموات[liii] ، وظهور اشارة الى خارون وقاربه في شاهد قبر من طلميثة[liv] (SEG IX 362) يعزز انتشار الاعتقاد بمهمة خارون في المعتقدات الدينية القورينائية ، ولعل من نافلة القول ان يذكر ان اغلب المشاهد التي ظهر فيها خارون على الفخار الاغريقي تبين نقله للنساء دون الرجال يضاف اليها ظهوره بنفس الشاكلة في هذه المقبرة اضافة الى ان شاهد قبر طلميثة ينسب لامرأة ، ويبدو ان المناقشة ستكون عقيمة لمعرفة الاسباب الكامنة وراء ذلك .والجدير بالذكر ان المشهد برمته لا يكاد يختلف عن مشهد مشابه صور على قارورة (ليكيثوس) معروضة في متحف اثينا[lv] ، وتتمثل اوجه التشابه في لباس خارون وقاربه ، وكذلك ركوب الفتاة على صخرة للوصول للقارب بمساعدة يد خارون التي يمدها نحوها ، و على غرار هذا المشهد يمكن ان تكون الفتاة في اللوحة السادسة تحمل قارورة او أي شيء تقدمه اجرة لخارون.
وفي ختام وصف اللوحات وتحليل المشاهد التي تحملها من الضروري ايجاد تفسير كلي مترابط لها بيد انه ليس من السهل تفسيرها[lvi] على هذا النحو وربطها مع بعضها البعض في ضوء المشاكل التي سبق الاشارة اليها ، لكن على اية حال يمكن تفسيرها من خلال تفسير او دلالة كل مشهد على حدة ثم ايجاد تفسير كلي يربط فيما بينها ، ومن الضروري التأكيد على ان الرسوم الجدارية لم ترسم لذاتها او لغرض الزخرفة إنما رسمت لتعكس حياة المدفون او بعض الطقوس الجنائزية والحياة الاخروية ، ومن خلال المشاهد المصورة يمكن ان يستنتج ان المدفون في المقبرة انثى و ليس ذكر بسبب ظهور مشاهد متكررة لنفس الفتاة في جميع اللوحات ماعدا اللوحة الاولى، كما تبدو المدفونة انها فتاة صغيرة() لخلو اللوحات من المشاهد المتعلقة بالنساء والزواج وعلى خلاف ذلك تظهر مشاهد تعليم ولعب وتسلية(اللوحة الثانية والرابعة) ترتبط بالفتيات وليست بالنساء .وعند النظر الى المشاهد ككل يمكن تقسيمها الى قسمين : يصور القسم الاول منها حياة الفتاة والانشطة التي كانت تقوم بها في حياتها فهي تتلقى الدروس التعليمية (اللوحة الثانية) و تتعلم الغزل واعمال الخياطة (اللوحة الثالثة) وتلهو وتمرح ()مع رفيقتها (اللوحة الرابعة) ، و يصور القسم الثاني الفتاة عند الموت وما بعده فالحزن عليها وبكاءها عند وفاتها من قبل رفيقاتها ()(اللوحة الاولى) ،وتجلي بيرسفوني لها لحظة موتها (اللوحة الخامسة) واستعداد الفتاة للرحيل الى العالم السفلي بواسطة خارون و قاربه (اللوحة السادسة) ومن خلال التفسير السابق تعد هذه الرسوم الجدارية بمثابة شاهد قبر لفتاة ماتت في ربيع عمرها صور بالرسم عوضا عن الكلمة لحياتها ومماتها وكأنها تمثل إبيجراما هللنيستية[lvii] كتبها شاعر وصورها فنان .
تاريخ اللوحات والمقبرة :
يعتمد تاريخ هذه المقبرة ولوحاتها على عنصرين اساسين هما اولا: تحليل الواجهة من الناحية المعمارية و ظهور مميزات معمارية لها ابعاد زمنية . ثانيا: دراسة النواحي التقنية والفنية في رسم اللوحات ومقارنتها بتطور الرسوم الجدارية الاغريقية للوصول الى مؤشرات ودلائل زمنية تساعد في عملية التأريخ .وسيؤدي الاتفاق في النتائج من خلال مناقشة العنصرين السابقين الى الوثوق في صحة التاريخ الذي يتم الوصول اليه .
وجدير بالذكر ان الاستاذ (Pfuhl) قد قام بتاريخها بالعصر الهللينيستي[lviii]، وهو محق في هذا بيد ان الاستاذ (Rumpf) عارضه في ذلك وأرخها بالقرن الرابع ق.م. وتحديدا ما بين 370-330 ق.م. استنادا على مقارنة اشكال الوقفات مثل وقفة المعلمة في اللوحة الثانية مع وقفة حكم على كأس بانثيني من توكرة في المتحف البريطاني يرجع الى 367-366 ق.م. كما يرى ان اسلوب الرسومات لا يختلف عن اسلوب الاواني الفخارية التي تنسب الى فنان جينا(Jena)[lix] ، وقد اتفق معه في هذا التاريخ كل من بيشي (Pesce)، وكاسيلس وجودتشايلد[lx] .
وقد استطاع الاستاذ باكيللي البرهنة على ان المميزات المعمارية للمقبرة ـ التي سبقت الاشارة اليها ومناقشتها ـ تؤكد تاريخها بالعصر الهللينيستي ، اما من الناحية الفنية فهناك ملاحظات يمكن ايرادها بهذا الخصوص تساعد في تاريخها:
1- ان الرسام قد قلد الاسلوب الكلاسيكي المنفذ على الاواني الفخارية التي ترجع الى القرن الرابع ق.م. خاصة في وقفات الاشكال وحركتها والموضوعات والملابس ، و لكنه كان مقلدا ولم يكن من فناني ذلك العصر فقد اتسمت اشكاله بالبساطة وعدم استعمال اسلوب الخطوط الخارجية للاشكال ، وهو في تنفيذه لهذه الرسومات كان متأثرا بالاساليب الفنية السائدة في عصره خاصة مدرستي الاسكندرية وجنوب ايطاليا و تاثيرات هللنيستية اخرى امتد تاثيرها الى العمارة والنحت ايضا[lxi] .
2- تميزت خلفية الرسومات بانها غير ملونة وهذا ادى الى عدم ظهور أية زخارف او مشاهد طبيعية بها باستثناء جذع الشجرة في اللوحة الثانية الذي يعد مكملا للرسم وليس جزءا من الخلفية ومن ناحية المنظور يظهر الجذع في مستوى رسم الشكلين أي انه ليس خلفية للمشهد ، وهو في ظهوره هكذا لا يختلف عن شواهد القبور الكيوسية[lxii] التي ترجع الى القرن الثالث ق.م.، ويوحي ظهور الخلفية غير الملونة ببساطة التراكيب الكلاسيكية التي كانت اكثر شيوعا في الصور(الرسوم) الهللينيستي المجسدة على النصب .
3- يلاحظ ان الفنان لم يستخدم الخطوط الخارجية لابراز اشكاله انما استخدم اسلوب التظليل و الضوء بلون قاتم اضافة الى اسلوب التقصير او استخدام الخطوط القصيرة لتوضيح الاشكال وهذا ادى الى بروز الرسومات دون الحاجة الى استعمال خطوط لتوضيح حدودها الخارجية ، وقد نفذ اسلوب التظليل والضوء هنا بالتركيز على استخدام الوان غير مخففة بل مركزة وهذه اعطت الاحساس بالعمق في الاشكال و ظهورها بواقعية كبيرة خاصة عند مقارنتها بالاشكال على الاواني الفخارية المعاصرة او الرسوم التي صورت على شواهد القبور.
4- اتسمت الحدود الخارجية للاشكال بالانسجام فيما بينها وتماسكها وخلوها من الزوايا ، كما ابدع الفنان في تصوير اشكاله بوضعات الثلاثة ارباع ، وكل هذا يذكر بالاسلوب الفني الذي كان متبعا في العصر الهللينيستي المتأخر يشهد على ذلك الرسوم الجدارية في ديلوس و الاسكندرية وغيرها[lxiii] .
5- تعكس رسومات هذه المقبرة المستوى الفني المتواضع للفنانين الذين نفذوا تلك الرسومات ، والجدير بالذكر ان اغلب الرسوم الجدارية التي وجدت في مقابر الحجرات الهللنيستية في انحاء مختلفة من العالم كانت ذات مستوِ متواضع شأنها شأن شواهد القبور المرسومة والمطلية المعاصرة لها[lxiv] ، والتي ترجع في اصولها الاولى الى الاسلوب الفني الذي كان سائدا على الفخار الهللينيستي يذكر منه جرار الحضرة في الاسكندرية ، وفخار كانوسا بجنوب ايطاليا ، و اواني سينتوربي الصقلية[lxv] ، والتي رسوماتها لا تختلف عن الرسوم الجدارية المعاصرة لها .
6- هناك محاولة للتصوير الشخصي في هذه اللوحات استنتجت من خلال تكرار تصوير نفس الفتاة في اغلب المشاهد ، حيث صورت الفتاة باسلوب واحد مع عدم وجود اختلافات كبيرة في ملامحها ولباسها وتصفيفة شعرها وزينتها خاصة ما بين اللوحتين الثانية والخامسة ، و ما بين اللوحتين الثالثة والرابعة وهذا يعزز القول بوجود محاولة شخصية في تصوير الفتاة ، وهذا في نفس الوقت يؤكد تاريخها بالعصر الهللينيستي هذا العصر الذي يعد عصر ازدهار التصوير الشخصي عند الاغريق .
ومما تقدم فان جميع الشواهد والادلة تؤكد هللنيستية هذه اللوحات المزخرفة وبالاتفاق مع ما توصل اليه باكيللي[lxvi] يمكن ان تؤرخ لوحات هذه المقبرة ما بين اواخر القرن الثالث والنصف الاول من القرن الثاني ق.م.أي انها تعد اقدم لوحات جدارية في مدينة قوريني وفي اقليم قورينائية بصورة عامة .
[i][i] -
[ii]
[iii] - وادِ صغيرمتفرع من وادي بلغدير وتحديدا في الناحية الجنوبية الشرقية منه ويعد مدخلا لهذا الوادي .
[iv] - LBacchielli, QAL العدد 8(1976 )ص .356 .
[v] - LBacchielli, " The Italian Archaeological Mission At Cyrene 1993-1994"Libya Antiquaالعدد الاول في السلسلة الجديدة (1995) ص.163.
[vi] - لقد قام باشو برسم واجهة هذه المقبرة وصححه مايوليتي عام 1930 بالنظر الى الشكل الحالي للمقبرة : Pacho,., Relation D,Un Vouage Dans… La Cyrenaique لوحة 43 . ؛ S.Stucchi, Architettura Cirenaica شكل 165 .
[vii] - J.Cassels , PBSR العدد 23 (1955) ص ص. 7 ، 33 و شكل 5 .و S.Stucchi, Architettura Cirenaica (Roma:1975) ص. 156.
[viii] - يراجع عن هذا الطراز من المقابر: - J.Cassels , PBSR العدد 23 (1955) ص .16 وما بعدها ؛ و S.Stucchi, Architettura Cirenaica ص.149 وما بعدها ؛ J.Dent In Cyvenaica In Antiquity ص.330.
[ix] - يراجع للمزيد عن التحليل المعماري لهذه المقبرة : LBacchielli, QAL العدد 8(1976 )ص ص.360-361 .
[x] - Pacho,., Relation D'Un Vouage Dans La Marmarique, La Cyrenaiqueص.210 ؛و Hamilton, Wanderings In Northern Africa , ص.76 ، وقد استغرب سميث وبورتشر في كون هذه المقبرة لخادمة سوداء : Smith,.& E.A Porcher,.,History Of Recent Discoveries At Cyrene ص.31 .
[xi] - Beechey,.,Proceedings Of To Expedition Northern From Tripoli Eastward….ص.453.
[xii]- Barth ,Wanderungen Durch Die Kustenlander Des Mittelmeeres ص.444.
[xiii] - E.Pfuhl , Malerei Und Zeichnung Der Griechen II (Roma:1969)ص.907.
[xiv] -A.Rumpf,"Classical And Post-Classical Greek Painting " JHS العدد 67(1947)ص.12 .
[xv] - LBacchielli"Le Pitture Della ''Tomba Dell'Altalena'Di Cirene Nel Museo Louvre" QAL العدد 8(1976 )ص ص. 361-363 . LBacchielli, "Pittura Funeraria Antica In Cirenaica"Libyan Studies العدد 24(1993) ص.79 .
[xvi] - Stucchi, Architettura Cirenaica ص ص.156-157 هامش رقم 5 . LBacchielli ,Libyan Studies العدد 24(1993) ص.80 .
[xvii] -S.Reinach, Repertoire de Reliefs - Grecs et Romains II(Paris:1912) ص.356/ 2. S.Mollard - Besques , Les Terres Cuites Grecques (Paris:1963) ص .63 لوحة 17 .
[xviii] - وتجدر الاشارة الى ظهور نساء عاريات عند زيارة القبور (ربما تمثل المحظية وليست الزوجة)وللتدليل على ذلك لوح من الطين المشوي تظهر به سيدة تجلس على قبر ،وقد تركت عباءتها الى جانبها أي نزعتها على القبر : S.Reinach, Repertoire de Reliefs - II ص.243/2.
[xix] -يراجع عن تلك المشاهد المعروضة في المتحف البريطاني ومتحف اللوفر:S.Reinach, Repertoire de Reliefs - II ص ص.240/5 ،257/1 ،496/1 .
[xx] -يراجع عن تابوت صيدا : Grecs et Romains I (Paris:1909)- . Reinach, Repertoire de Reliefsص ص.404-406.
[xxi] -.Reinach, Repertoire de Reliefs II ص.399/1 .
[xxii] -يراجع عن تلك الامثلة: Reinach, Repertoire de Reliefs I ص . 217/5 . . Reinach, Repertoire de Reliefs IIص 186. ؛ B.Petrakos, National Museum(Athens:1993)ص.100رقم 78 ،J. Charbonneaux, (et al) Grece Hellenistique (Gallimard,Paris:1970) ص.137 رقم 135 ، ص.282 رقم 303 و رقم 310.
[xxiii] - Reinach, Repertoire de Reliefs I ص .40 ؛ Reinach, Repertoire de Reliefs II ص .453/2 ؛ .Charbonneaux, (et al) Grece Hellenistique ص.96 رقم 88 ، ص.101 رقم 92 ص.286 رقم 308 ، ص.305 رقم 333 ؛ E.Pfuhl , Malerei Und Zeichnung Der Griechen III الارقام 597 ،667-669 .
[xxiv] - Pfuhl , Malerei Und Zeichnungلوحة 242 رقم 596 .
[xxv] -E.Paribeni, Catalogo Della Sculture Di Cirene (Roma:1959) ص ص.41-42 رقم 63 لوحة 63.
[xxvi] - Reinach, Repertoire de Reliefs IIص.252/5 ؛ H.Diepolder, Die Attischen GrabReliefs(Darmstadt:1965) ص.23 شكل 4.
[xxvii] - J.Boardman, Athenian Red Figure Vases , The Classical Period (London:1988) رقم 420 .
[xxviii] - Pacho,., Relation D'Un Vouage Dans La Marmarique, La Cyrenaiqueص.210 ؛ Smith,.& E.A Porcher,.,History Of Recent Discoveries At Cyrene ص.31 .؛ Stucchi, Architettura Cirenaica ص .157 هامش رقم 5 . ؛ - LBacchielli, QAL العدد 8(1976 )ص .365 . . LBacchielli ,Libyan Studies العدد 24(1993) ص.81 .
[xxix] -Ch. Daremberg & E. Saglio , Dictionnaire Des Antiquites Grecques Et Romaines II 1,(Graz:1969) ص.489 شكل 2615 .
[xxx] - Daremberg & Saglio , Dictionnaire Des Antiquites II 1ص.477 شكل رقم 2605،2606 .
[xxxi] - يراجع عن هذا الموضوع : D.Smith ,History of Mathematics II (Boston:1925) ص ص. 196-202 ؛ H.Marrou , A History of Education In Antiquity , trans. By G.Lamb(New York:1956) ص ص.157-158.
[xxxii] - من اهم الالعاب التي طبقت فيها هذه الطريقة هي لعبة المورا (Morra):يراجع عن هذه اللعبة : P.Perdrizet , JHS العدد 18 (1898) ص ص .129-132. ويراجع عن مشاهد لهذه اللعبة واللاعبين يشيرون باصابعهم الى الاعداد :
Daremberg & Saglio , Dictionnaire Des Antiquites III 2 ص ص.1889-1890 الاشكال 5026-5028؛ LBacchielli," Arato o Crisippo? Nuove Ipotesi Per Un Vecchio Problema" QAL العدد 10(1979) ص .42 شكل 18.
[xxxiii] - يراجع للمزيد عن امثلة وشواهد اخرى تؤيد ذلك: Marrou , A History of Education In Antiquityص ص.400-401 هامش رقم 9 ؛ Bacchielli, QAL العدد 8 (1976 ) ص .371 ؛ ويراجع عن تمثال اراتوس او خريسيبوس : R.R.Smith, Hellenistic Sculpture , (London:1991) رقم 33، ينسب باكيللي التمثال المذكور الى الفيلسوف اراتوس وليس الى خريسيبوس يراجع حول هذا الموضوع : Lbacchielli, QAL العدد 10(1979) ص ص.27-48، كما يراجع عن تماثيل اراتوس وخريسيبوس :G.M.A.Richter, The Portaraites Of The Greek II, (London:1965 ص ص.190-194 ، 239-241 الاشكال 1111-1148 ، 1653-1660.
[xxxiv] -عثر على بعض شواهد القبور في قوريني تتحدث عن تعليم النساء والفتيات الموسيقى والشعر وقواعد اللغةوغيرها من المعارف يراجع عنها : G. Oliverio,"Iscrizioni Cirenaica"QALالعدد 4(1961) ص ص.38-39 رقم 17-18 شكل 31-32.
[xxxv] - يراجع في هذا الصدد : عبد الرحمن بدوي ، الفلسفة القورينائية او مذهب اللذة ،(بنغازي:دار ليبيا ، 1969) ص ص.57-60 ؛ غوليالم ناردوتشي ، إستيطان برقة قديما و حديثا ، ترجمة د.ابراهيم المهدوي (سرت :الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع ، 1425) ص ص.155-156.
[xxxvi] - يراجع عن هذا المشهد:- Bacchielli, QAL العدد 8 (1976 ) ص ص .367، 371 .
[xxxvii] - A.Rumpf, JHS العدد 67(1947)ص.13؛ A.Rumpf, Malerei Und Zeichnung Der Klassischen Antike(Munchen:1953) ص ص .136-137 لوحة 43/2 ، J.Boardman, Athenian Red Figure Vases رقم 388.
[xxxviii] - يراجع عن الاعمال التي تقوم بها المرأة الاغريقية في المنزل: W.Lacey , The Family In Classical Greece (London:1968) ص ص.170-172 اللوحات 37-39 .
[xxxix] -. . Reinach, Repertoire de Reliefs IIص. 87/8 ، 166 /1 ؛ Pfuhl , Malerei Und Zeichnung لوحة 245،249 رقم 600،615 ؛ Bacchielli, QAL العدد 8 (1976 ) ص.382 الهامش رقم 110؛ كما يراجع عن الغزل والحياكة والمشاهد التي تصور ذلك:M. Hughes & M.Forrest, How The Greeks and Romans Made Cloth (Cambridge:1984) ؛ ويراجع عن شواهد القبور التي تظهر بها نساء تغزل وتنسج:H.Biesantz, Die Thessalischen GrbaReliefs (Bonn:1965) ص.10رقم 11 لوحة 2. ؛ C.Blumel, Die Klassiech Griechischen Skulpturen ….Zu Berlin (Berlin;1966) ص ص .24-25 رقم 16 لوحة 24 ، ص ص.37-38 رقم 32 لوحة 49 .
[xl] -G.Richter, The Furniture of The Greeks , Etruscans And Romans ,(London:1966) رقم 227.
[xli] - قد يكون الاستاذ ستوكي اول من اطلق هذه التسمية على المقبرة عندما اشار اليها بذلك في كتابه العمارة القورينائية ، يراجع : Stucchi, Architettura Cirenaica ص .156.
[xlii] -يراجع عن الارجوحة عند الاغريق : Daremberg & Saglio , Dictionnaire Des Antiquites IV 1ص.171 شكل 196 ، ص.256 شكل 5441 ؛ Pfuhl , Malerei Und Zeichnung لوحة 222 رقم 567 .
[xliii] - S.Mollard - Besques,Catalogue Raisonne Des Figurines Et Reliefs, Myrina II(Paris:1963) رقم 180-181 لوحة 94-95. ؛ G.M.Hanfmann, Classical Sculpture (London:1967) رقم 183 . ؛ Ph.Bruneau & J.Ducat, Guide De Delos (Paris:1983) ص ص .73-74 شكل 11.
[xliv] - Reinach, Repertoire de Reliefs Iص ص.143،167،187،401؛ Reinach, Repertoire de Reliefs IIص ص.17،76،130،182،203،535 ،539 ؛ Reinach, Repertoire de Reliefs IIIص ص.19،71،110،137،242-244،273،317،319،322-325 ،. Charbonneaux, (et al) Grece Hellenistiqueرقم141،145 ؛ F.Guirand(ed)Larousse Encyclopiedia Of Mythology(London:1959) ص.160؛ K.Schefold,La Peinture Pompeienne (Bruxelles:1972) لوحة 8،54.
[xlv] - R.R.Smith, Hellenistic Sculpture , رقم 219.
[xlvi] - يراجع عن تلك التماثيل : . Luigi Beschi , "Divinita Funerarie Cirenaiche" As Atene العدد 47-48(1969-1970) ص ص .133-341 خاصة الطراز E ص ص. 227-231 رقم 21-22 شكل 67 .
[xlvii] - Biesantz, Die Thessalischen GrbaReliefs الارقام 22،27،30،35 لوحات 4،7،8،19،20.
[xlviii] - يراجع عن الرسوم الجدارية التي تحيط بها الهالة :M.Rostovzetff, Tha Social And Economic History Of The Hellenstic World II (Oxford:1972) ص.408 لوحة 49.
[xlix] -يراجع عن تلك الرسوم:M.Rostovzteff, " Ancient Decorative Wall - Painting" JHS العدد39(1919)ص .144، 149 لوحة 7 .
[l] - يراجع عن الايبيفانيا: Beschi , As Atene العدد 47-48(1969-1970) ص ص .325-326
[li] - Pfuhl , Malerei Und Zeichnungلوحة 208 رقم 542 و لوحة 214 رقم 551 ؛و يراجع عن خارون في الفخار الاغريقي : H.Shapiro ,"The Iconography Of Mourning In Athenian Art" AJA العدد95(1991) ص.650 وهامش رقم 137.
[lii] - يراجع في ذلك:A.De Franciscis , Enciclopedia Dell' Arte Antica Classica …..II ص.358 شكل 517.
[liii] - يراجع عن اجرة خارون وانتشارها في قبور الاقليم : خالد محمد الهدار، دراسة القبور الفردية واثاثها الجنائزي في تاوخيرة خلال الفترة من اواخر القرن الخامس ق.م حتى القرن الاول الميلادي ، رسالة ماجستير من قسم الاثار / قاريونس 1997 (غيرمنشورة)ص ص.122-123.
[liv] - G.Oliverio,Documenti Antichi Dell' Africa Italiana II-II ص ص.257-258 رقم 537 .
[lv] -.Petrakos, National Museumص.178 رقم 150.
[lvi] - يكاد الباحث يتفق مع التفسير الذي اورده باكيللي عند دراسته لهذه المقبرة يراجع في هذا الشأن: - Bacchielli, QAL العدد 8(1976 )ص ص.373-375 . . Bacchielli ,Libyan Studies العدد 24(1993) ص.81.
[lvii] -تراجع بعض ابجرامات كاليماخوس المتعلقة بالموت رقم 16، 21،22 التي تتحدث عن موت صغار السن من الفتيات والفتيات :عبدالله حسن المسلمي ، كاليماخوس القوريني - شاعر الاسكندرية (منشورات الجامعة الليبية:1973)ص ص.250-251. ولعل من نافلة القول ان يذكر بان الابيجرامات المنقوشة على شواهد القبور انتشرت في قورينائية في العصر الروماني وهناك عدة امثلة تقف شاهدا على ذلك يراجع عنها :C.Dobias-Lalou," Une Epigamme Funeraire De Cyrene"REG العدد 95(1982 )ص ص.37-53.
[lviii] - Pfuhl , Malerei Und Zeichnungص ص.904،907.
[lix] - يراجع في ذلك : JHS العدد 67(1947)ص.13؛.Rumpf, Malerei Und Zeichnung Der Klassischen ص ص.134-135.
[lx] - G.Pesce, , Enciclopedia Dell' Arte Antica Classica …..IIص.674 ؛- J.Cassels , PBSR العدد 23 (1955)ص.20 ؛ R.Goodchild, Kyrene Und Apollonia (Zurich:1971)ص.105 هامش رقم 2 .
[lxi] - يراجع عن تأثير المدرسة السكندرية إجمالا:M.Von Habsburg, In G.Barker,et al (eds) Cyrenaica In Antiquity ص ص. 357-364.
[lxii] -يراجع عن تلك الشواهد: .Rumpf, Malerei Und Zeichnung Der Klassischen ص.156 شكل 18 ؛ J.Boardman & D. Kurtz, Greek Burial Customs ص.237 لوحة 63.
[lxiii] - يراجع عن الرسوم الجدارية في العصر الهللينيستي :E.Pfuhl,Masterpieces Of Greek Drawing And Painting(London:1955) ص ص.108 و ما بعدها .
[lxiv] -M.Robertson, Greek Painting (London:1959) ص.172.
[lxv] -يراجع عن هذه الانواع الفخارية:B.F.Cook, Inscribed Hadra Vases(NewYork:1966) ؛
D.Wiliams, Greek Vases(London:1985)
U.Wintermeyer, " Die) ص ص.136-241.
[lxvi] - Bacchielli, QAL العدد 8 (1976 ) ص.378.

من المواقع الاثرية الليبية غير المشهورة


هادريانوبولس – دريانة


موقع المدينة :
تقع مدينة دريانة او هادريانوبوليس وفقا لاسمها القديم في منتصف الطريق بين مدينتي بيرنيكي (بنغازي) وتاوخيرة (العقورية ) حوالي 32 كم شمال شرق مدينة بنغازي ، وتشغل بقاياها قرية دريانة القديمة الى الجنوب مسجد سيدي ابراهيم الغماري قرب الجبانة الاسلامية و المنطقة المحيطة بها ، ومن المؤكد ان وجود اطلال المدينة الاثرية اسفل مباني المدينة الحديثة قد اعاق عمليات الكشف الاثري وسهولة التعرف على بقاياها .
تاريخ المدينة :
على الرغم من ان اسم هادريانوبولس كمدينة تقع بين بيرنيكي وتاوخيرة قد ظهر في عدة مصادر قديمة الا ان التعرف على موقعها بشكل دقيق لم يتم الا في فترة متأخرة من قبل الاستاذين باري جونس و جون ليتل بعد تحرياتهما في موقعها في اواخر ستينيات القرن العشرين ، ويبدو ان اول من خمن موقعها على وجه الدقة كان الاستاذ جودتشايلد و ذلك عام 1961 بعد العثور على بعض النقوش في احد محاجر دريانة اضافة الى العثور على بعض تيجان اعمدة رخامية في موقع الزاوية الدينية بدريانة عام 1959 ، و كذلك اشتقاق اسم دريانة من الاسم القديم لهادريانوبوليس ، و كل هذه دفع جودتشايلد الى تغيير رأيه السابق الذي مفاداه ان موقع تنسلوخ هو موقع مدينة هادريانوبوليس القديمة .
ومن خلال تسمية هذه المدينة يظهر أنها ترتبط بالامبراطور الروماني هادريان (117-138) ، أي أنها انشئت في بداية القرن الثاني الميلادي ، ولعل هذا يدفع الى سؤال مهم حول وجود استيطان بالمنطقة او الموقع قبل القرن الثاني خاصة بعد العثور على كسر فخارية تؤرخ قبل تأسيس هادريانوبوليس و تحديدا ما بين 60-80 م ، وهذا يوحي بانه كان هناك استيطانا بالموقع قبل عصر هادريان ربما يكون ذلك في العصر الهللنيستي ولعل ما يؤكد هذا ان الجغرافي سكيلاكس اشار في الفقرة 108 لموقع يتوسط بيرنيكي و تاوخيرة اطلق عليه اسم كاوكولي القديمة ( CAUCULI VITUS) يطابق تقريبا موقع دريانة ، و على هذا الموقع امر الامبراطور هادريان بتأسيس مدينة جديدة في اقليم قورينائية ، ويأتي تأسيسه لها من ضمن محاولات هادريان اصلاح ما دمره اليهود أثناء شغبهم في الاقليم مابين 115-117 والذي راح ضحيته كثير من الانفس و دمرت العديد من المباني العامة في شتى انحاء الاقليم و اصبحت مدن الاقليم في حالة من الدمار و الفوضى تحدث عنها بشكل مبالغ فيه المؤرخ الروماني ديو كاسيوس ، وتعد مدينة قوريني اكثر المدن تضررا من حيث المباني و السكان ، وهذا التخريب ادى بهادريان الاهتمام باصلاح الاقليم فقام بارسال ثلاثة الاف من الجنود المسرحين لتعويض النقص في السكان ، اضافة الى انشاء مدينة جديدة بعيدا عن دمار اليهود في المدن الخمس في موقعا جديد على انقاض قرية كاوكولي القديمة ، اطلق عليها اسم هادريانوبوليس أي مدينة هادريان نسبة الى الامبراطور هادريان . وقد ذكرت هذه المدينة في دليل الطرق الانطونية الذي يرجع الى اوائل القرن الثالث الميلادي ، اضافة الى خارطة بوتنجير الرومانية والتي ورد فيها اسم هادريانوبوليس وهذه تؤكد ان المدينة كانت مزدهرة خلال القرنين الثاني والثالث ، الا انه يلاحظ ان كتاب قياسات البحر الكبير الذي يؤرخ باواخر القرن الثاني لم يتم ايراد اسم هادريانوبوليس به لعل سبب ذلك ليس عدم وجود المدينة آنذاك بل لان ذلك الكتاب لم يرصد ويسجل الا المرافئ والموانئ و لم تكن هادريانوبوليس لا مرفأ و لا ميناء وفقا للتحريات التي اجريت بالمدينة .
و بتأسيس هذه المدينة تحولت المدن الخمس الى المدن الست (HEXAPOLIS) و مما يؤكد هذا نقشا يرجع الى عام 185 م يذكر ان قوريني كانت عاصمة المدن الست وليس الخمس أي ان هادريانوبوليس اضيفت الى المدن الخمس المعروفة في الاقليم (قوريني و ابوللونيا وبطوليمايس و تاوخيرة و بيرنيكي) ، ومن الصعب معرفة تاريخ هذه المدينة الا انه يمكن القول أنها لم تعمر طويلا حيث أنها لم تذكر في اصلاحات الامبراطور دقلديانوس عام 297 ، فولاية ليبيا العليا شملت خمس مدن فقط ، وعلى الرغم من هذا فان المؤرخ البيزنطي هيراكليس قد اشار اليها في الفقرة 733.2 اضافة الى ذكر هادريانوبوليس في قائمة جورج القبرصي في وصفه للعالم الروماني و تحديدا في الفقرة 793 . ومن حيث الادلة الاثرية فان اغلب الفخار الذي تم جمعه من مركز المدينة من الفخار الروماني الذي يؤرخ مابين القرنين الثاني و الثالث ، و لايوجد أي اثر ان المدينة كانت مستوطنة في العصر البيزنطي وليس هذا مستغربا ، ذلك ان المدينة انشئت لظروفا خاصة و ان عدم وجود مرفأ بها كان من عوامل عدم استمرارها لفترة طويلة .
معالم المدينة الاثرية :
لا يتوقع المرء ان يشاهد معالم واضحة لهذه المدينة لاسباب سبق الاشارة اليها ، و كل ما هنالك بقايا بعض المعالم نتجت عن مسح وتحريات باري جونز وجون ليتل الذي نشر في العدد الثامن من مجلة ليبيا القديمة عام 1971 ، و يمكن وصف هذه المعالم على النحو الاتي:
1- مركز المدينة:
يقع مركز المدينة قرب مسجد سيدي ابراهيم الغماري و الجبانة الاسلامية و لعل من اهم آثار هذه المنطقة الشارع العرضي المعروف اصطلاحا ديكومانوس (DECOMANUS) والذي امكن التعرف عليه في المنطقة الفاصلة بين المسجد و الجبانة حيث يمكن مشاهدة خط من الاحجار لاثنان من المباني تطل على هذا الشارع خاصة عند الزاوية الغربية للجبانة اضافة الى الجهة الشمالية الشرقية من الجبانة التي يخترقها هذا الشارع حتى يقطع بطريق حديث مؤدي للمسجد ، ومن البقايا التي اكدت وجودها المصادر المحلية في المنطقة انه يوجد اسفل الجبانة وتحديدا في الناحية الغربية منها مجموعة من الصهاريج كشف عنها عندما كان احد حفاري القبور يقوم بعمله في تلك المنطقة فسقط في صهريج مقبي عندما اخترق سقفه . كما عثر في الجبانة على بقايا عناصر معمارية منها اجزاء عمودين احداهما من رخام بروكونيسوس عثر عليه عند الزاوية الجنوبية الغربية ، والاخر تاج عمود عثر عليه بجانب الجدار الجنوبي للمسجد اضافة الى جذع عمود عثر عليه عام 1972 .
و قد تم ملاحظة وجود بقايا مباني جنوب الجبانة من خلال ظهور مجموعة من النصب الرأسية التي تنسب الى مباني شائعة في الشمال الافريقي ، وقد عثر على مجموعة كبيرة من تلك الاحجار الرأسية الى الجنوب من الطرف الجنوبي للجبانة في منطقة متسعة مساحتها حوالي نصف هكتار ، و هي ترجع الى مباني تقع بطول شارع عرضي آخر او موازية للشارع العرضي الشمالي . و هناك بعض البقايا المشابهة على بعد مائتي متر الى الشمال الشرقي من المنطقة السابقة وهي بحاجة الى مزيدا من البحث .
2- قناة المياه :
تعتمد مدن الاقليم الساحلية ـ باستثناء تاوخيرة ـ في حصولها على الماء من مصادر ينقل منها الماء بواسطة قنوات آو قناطر (AQUEDUCT) وافضل مثالا على ذلك مدينة بطوليمايس (طلميثة) ، و يبدو ان هادريانوبوليس قد استعملت نفس الطريقة حيث كشف بها على مجموعة من الخزانات المهدمة في الجبانة و دعم هذا الكشف اكتشاف اجزاء من مجرى ماء على بعد كيلومتر جنوب مركز المدينة و بتتبع هذا المجرى امكن التعرف على المصدر الذي كانت المياه تأتي منه الى المدينة و كان ذلك في منطقة وادي الجويبيه التي تبعد 17 كيلومتر الى الجنوب من دريانة ، وعلى بعد كيلومتر ونصف من الفرع الشمالي بوادي الجويبيه يوجد كهف في الواجهة الصخرية الجنوبية تخرج منه المياه ، ويوجد عند بوابة الكهف قناة محفورة في الصخر يمكن تتبعها على طول حافة الوادي بصورة متقطعة ، وبالقرب من نهاية الوادي يحافظ المجرى على الشكل الذي يتميز به القسم الاوسط منه وهو عبارة عن طبقة من الحجارة عرضها ما بين 45-50 سم .
3- فرن الفخار :
يقع هذا الفرن على بعد 400 مترا من مركز المدينة فوق تل صغير ، وقد تم التعرف عليه من خلال انتشار كسر فخارية مرفوضة وتالفة . يتكون الفرن من مبنى مستدير بسمك 60 سم وقطره 6.80 مترا ، توجد حفرة التزويد بالوقود في الجانب الجنوبي الشرقي و قد احيط جانبه الشرقي بكتل من الحجر الجيري بينما الكتلة المناظرة لها في الجانب الغربي قد ازيلت ، كما توجد بقايا جدران منخفضة مستمرة في الناحية الجنوبية و لمسافة سبعة امتار من الناحية الشرقة و هذا يدعو لافتراض وجود ساحة مستطيلة مسورة تحيط بحفرة التزويد . ويمكن مقارنة هذا الفرن بالفرن الموجود خارج الاسوار الغربية بتوكرة اضافة الى مقارنته من حيث الاستدارة بفرن عين الشرشارة في ترهونة ، و يقارن بافران الفخار الحديثة في القيروان . وينتج هذا الفرن فخار خشن للاستعمال المحلي يمكن مقارنة بعض منتوجاته بفخار سانية جبريل في جرمة بفزان الذي يرجع الى الاسرتين الانطونية و السيفيرية أي القرنين الثاني و الثالث .
4- نقوش المقابر :
لقد عثر على محجرين كانت مستغلة قديما على مسافة كيلومتر واحد جنوب غرب مركز المدينة قرب الطريق الرئيسي ، لم يستغل المحجر الكبير (الجنوبي) للدفن بينما استغل المجر الصغير لهذا الغرض فقد عثر به على اربع حجرات للدفن ، وجدت في واجهاتها اربعة نقوش ، لعل من اهمها ذلك النقش الذي يعلو المقبرة (الحجرة) الاولى ويمكن ان تترجم مقبرة رجال احرار من المدينة .


خاتمة :
ماتزال المدينة في حاجة الى تحريات جديدة حتى يمكن معرفة تاريخ المدينة خلال الفترة التي ظلت فيها المدينة تلعب دورا مهما في تاريخ الاقليم خلال القرنين الثاني و الثالث ، كما ان آثارها بحاجة الى حفريات علمية لتساعد في معرفة ذلك التاريخ .

من المعالم الاثرية الليبية غير المشهورة


مقبرة زاوية اسقفـة

من اهم معالم زاوية اسقفة مقبرة حجرة محفورة بالصخر تقع اسفل سطح الارض زخرفت بالرسومات الجدارية ،يذكر باكيللي انها اكتشفت عام 1924 ، كما ان رئيس الآثار الايطالي جاكومو كابوتو قد يكون اول عالم آثار زارها في عام 1939 وقام بتوثيقها و اجراء ترميمات لبعض رسومها ، وقد توال الاهتمام بها من قبل هايسلوب ثم ساندرو ستوكي ، ثم ليديانو باكيللي ثم خالد الهدار واخيرا عبدالمنعم القطعاني .
ويمكن الاعتماد على دراسة الاستاذ باكيللي ـ المنشورة في العدد 24 من مجلة دراسات ليبية عام 1994 ـ عند وصف وتحليل رسومات المقبرة اضافة الى بعض ملاحظات الباحث ، تتكون المقبرة من فناء مربع وحجرة دفن غير منتظمة الشكل نحتت في جدرانها الثلاثة خمس كوات ربما كانت مستغلة لدفن و الاقرب انها لوضع القرابين النذرية ، وقد طليت جدران حجرة الدفن وسقفها بملاط من الجص نفذت عليها رسومات جدارية تمثل اغلبها في زخارف نباتية متنوعة اضافة الى مشاهد رئيسية لعل من اهمها مشهد شاب يحمل سيفا و يشد فتاة من شعرها ليذبحها، وقد تم التعرف على هوية الشخصين من خلال الكتابة التي تعلوهما فالشاب يمثل بيروس والفتاة بولكسينا ويفسر باكيللي هذا المشهد بانه قتل بوليكسينا ابنة بريام ملك طروادة من قبل بيروس بن آخيل عقابا على خيانتها ووفقا لتوصية والده الذي طلب ان تذبح او يضحى بها على قبره . ويوجد في الكوة الثانية مشهد يمثل احد الاقطاعيين (صاحب المقبرة ) جالسا على مائدة تقابله زوجته بينما يقدم الخدم لهما النييذ من جرة وفطائر وارانب وغزلان وفواكه ، وتفسير هذا المشهد ما يزال غامضا ويحتاج الى مزيدا من البحث والتقصي .

وهناك مشهد آخر بين الكوتين الثانية والثالثة تمثل في الوحش الاسطوري اسيلا الذي يظهر في شكل وحش بحري نصفه العلوي امرأة وتخرج منه ثلاثة كلاب تهاجم بحارة سفينة اوليس (اوديسيوس) وتفتك بهم وصور احدهم قافزا من السفينة ، و اسفل هذا المشهد صورت سفينة اوديسيوس في مشهد آخر حيث صورت تلك السفينة بها بعض البحارة رفاق اوديسيوس الذي صور مربوطا على صاري السفينة ، ويكمل هذا المشهد ثلاث من فتيات عاريات لهن جسم انثى و ارجل طائر أي المخلوقات التي تعرف باسم سيرينات ، وهن يحملن من اليمين الى اليسار الة موسيقية وترية و الاخرى تحمل لفافة كان مكتوب عليها بيت شعري من الالياذة و تحمل الاخيرة ناي مزدوج ، والواقع ان هذا المشهد يرتبط بمشهد اوديسيوس المتوق اليدين حيث تذكر الاوديسة ان اوديسيوس ربط نفسه على صاري سفينته حتى يستمع الى الغناء الساحر الذي تغنيه السيرينات دون ان ينطلق وراءهن ومن ثم هلاكه مثلما فعل اصحابه .
ويصور المشهد الموجود في الكوة الثالثة مقتل ترويليوس الممطتي جوادا بواسطة بطل حرب طروادة آخيل الذي يشده من رأسة محاولا قتله بسيفه و يوجد خلف آخيل فتاة تحمل سلة فواكه او زهور ، ربما تكون هذه الفتاة بوليكسينا التي سبق الاشارة اليها .


اما الكوة الرابعة فزخرفت بمشهد لشاب ربما ابن احد الاقطاعيين مسترخيا على اريكة يقف بجانبه خادم يقوم على خدمته .
من خلال النظر الى مشاهد هذا المقبرة فمن المؤكد أنها مستوحاة من الاساطير الاغريقية خاصة الالياذة والاوديسة يعبر عن هذا مشهد بوليكيسنا وبيروس و آخيل و ترويليوس ، و سفينة اوديسيوس و السيرينات، ويفسر باكيللي ظهور هذه المشاهد أنها تمثل معنى وهمي لحياة الميت ، كما ان الصراع مع الوحش البحري قد يعني طهارة روح الميت التي تناضل من اجل الوصول الى عالم السعادة الابدية هذا من ناحية ، اما من الناحية الاخرى فان مشهد الوليمة و ما يوجد من مأكولات على المنضدة يمكن ان يفسر بثراء الميت في الدنيا والامل في ان يتحصل على نفس الرخاء في الحياة الاخروية.
اما عن تاريخ تلك الرسومات ومن ثم المقبرة فان اسلوب الرسومات الجدارية يوحي بان تاريخها لا يتعدى القرن الرابع الميلادي ، ويبدو ان هذه المقبرة كانت لشخصية مهمة اقطاعي او مالك اراضي كان يسكن في هذه المنطقة الزراعية .
ومما يجدر ملاحظته ان هذه الرسومات الرائعة و المقبرة بصورة عامة تحتاج الى ترميم وصيانة عاجلة لان عدم المحافظة عليها وتركها هكذا عرضة للعوامل الجوية المتلفة يعني تدمير ثروة فنية لا تقدر بثمن .