الجمعة، 7 فبراير، 2014

مقبرة الصليعاية قرب المرج



نشرت في العدد صفر من صحيفة افاق اثرية الصادر في يوليو 2011




مقبرة الصليعاية قرب المرج
 وكأسها الضائعة



الصليعاية  قرية صغيرة تصادف المار عبر الطريق الرابط بين المرج و الابيار بمسافة 18 كم وقد كشف  قربها  بالمصادفة على مقبرة ترجع الى القرن الخامس ق.م. في يوم 9/4/1969 ، بيد ان الكثير من الأدلة الأثرية ضاعت بسبب ان  اثاثها الجنائزي اغلبه قد نقل قبل توثيقه في مكانه وهذا حال المقبرة عند وصول أ. عبدالسلام بازامة ملاحظ آثار طلميثة آنذاك اليها ليستكمل العمل بها و الذي قام بالأعمال التوثيقية لهذا الاكتشاف ونقل المقتنيات الأثرية بالمقبرة الى طلميثة حيث عرضت في متحفها الى نهاية ثمانينات القرن العشرين ثم خزنت في مخازن آثار شحات. وقد قام  الاستاذ ميشيل فيكرز بدراسة هذه المقبرة من الناحية الأثرية ونشرها  في العدد الثامن من مجلة ليبيا القديمة ص ص. 69-84 الصادر عام 1971.
   ومن حيث وصف المقبرة فقد بنيت داخل الأرض الطينية بواسطة كتل حجرية  مشذبة من الحجر الجيري ، وتمثلت في قبر صندوقي مستطيل الشكل يتكون من أربعة صفوف من الكتل الحجرية ، والقبر بطول 3.42 مترا وعرض 1.15 مترا وبارتفاع 2.00 مترا ، مسقوف بست لوحات حجرية  واجهة إحداها على شكل بيدمنت على جانبيها زخرفة معمارية (اكروتيريا) ،  وبسبب كبر حجم المقبرة يبدو انها كانت من القبور المزدوجة التي تقسم في الأصل الى قبرين من الداخل على الرغم من انه لم يوجد دليلا يؤكد هذا التقسيم ،كما ان المقبرة لم يوجد بها إلا تابوتا واحدا وترك بقية القبر فارغا. 
ولعل ابرز ما يميز هذه المقبرة العثور على بقايا تابوت خشبي بطول 1.50 مترا داخل  المقبرة استعمل لوضع الميت برفقة جزء من أثاثه الجنائزي ، ويعد أول تابوت خشبي يعثر عليه في مقابر الإقليم في حالة جيدة ، وكان خشبه مزيج من خشب مستورد ومحلي  ، أما صناعة التابوت فيبدو انها محلية. ومما تجدر ملاحظته ان الحجم الصغير للتابوت قد يعكس قصر الميت او هذا ناتج بسبب إصابته بأحد الأمراض مثل التهاب المفاصل او انحناء الميت بعد بلوغه أرذل العمر ، ربما وصل الثمانين من عمره او اكبر قليلا وهذا ما دلت عليه الدراسة الأولية للعظام ، ولعل الفيصل هو إعادة دراسة البقايا العظمية للميت دراسة دقيقة إذا كانت لاتزال موجودة او محافظ عليها حتى ألان.
 أما الأثاث الجنائزي الذي عثر عليه داخل المقبرة فقد تمثل في مجموعة من اللقى الفخارية والمعدنية والالباستر والزجاج ، والعظم ، ويمكن تفصيلها على النحو الأتي:
1-  كـأس باناثيني  من الفخار الاثيني ذو الصور السوداء ، اي ان الأشكال طليت باللون الاسود على خلفية حمراء اللون ، والكأس في حالة جيدة ، يبلغ ارتفاعه 68.5 سم ومزود بغطاء ، وقد زخرف من الجانبين بمشهدين مختلفين ، حمل احداها المشهد الرئيسي الذي يصور عادة على الكؤوس الباناثينية وتمثل هنا في صورة للمؤلهة اثينا المدججة بالسلاح تقف بين عمودين دوريين يعلو كل منهما ديك ، وهي متجهة نحو اليسار و تحمل ترسا بيدها اليسرى مزين بصورة الحصان الاسطوري بيجاسوس ، وبيدها اليمنى رمحا وترتدي خوذة على رأسها ، وقد صور المشهد بتقنية الصور السوداء اي صورت الرسومات بلون اسود مع استخدام الوان اخرى مثل الابيض والقرمزي لابراز بعض التفاصيل  ، اما الخلفية فقد كانت حمراء اللون ، والى جانب العمود الايمن من الداخل كتبت العبارة الرسمية   TON ATHENETHEN ATHLON ، اي احد جوائز الباناثينايا وهذا المشهد يشبه كأس آخر معروضا في متحف الميتروبوليتان في نيويورك ينسب الى الفنان كليوفراديس.
أما الجانب الأخر من الكأس فقد صورت عليه المنافسة الرياضية التي فاز بها المتسابق في الألعاب التي تقام على هامش الأعياد الأثينية (الباناثينية) ، وقد تمثل المشهد هنا في فتى عارٍ على وشك ان يرمي بقرص يحمله بيده اليسرى ، يتجه الفتى نحو اليسار واقفا بين رجلين مرتديان لباسا مختلفا ، الرجل الواقف على اليسار تمثل في عازف المزمار او الناي المزدوج ، بينما الرجل الواقف على اليمين تمثل في حكم يرتدي عباءة الهيماتيون ، ويحمل بيده اليمنى رمح طويل او سعفة نخيل ، الالوان المستعملة الأسود للأشكال إضافة الى الأبيض والقرمزي على الملابس واستعمال الحزوز لإبراز التفاصيل التشريحية ، وقد جسد المشهد على خلفية حمراء اللون . إضافة الى المشاهد الرئيسة زخرفت الرقبة بزخرفة اللوتس المزدوجة ، وزخرف الكتف بزخرفة الألسنة ، كما ان زخرفت المنطقة التي تعلو القاعدة بزخرفة الألسنة الإشعاعية ،  وقد طلي بقية الكأس بطلاء اسود لامع .
ومن ناحية فنية توصل الدارسون لهذا الكأس الى ان الفنان كليوفراديس هو الذي قام برسم وزخرفة هذا الكأس اعتمادا على بعض المميزات الفنية التي ميزت اسلوب هذا الفنان ومقارنة هذا الكأس بكأس لذات الفنان في متحف الميتروبوليتان وكؤوس في متاحف اخرى تميزت بزخرفة الحصان بيجاسوس على ترس اثينا ، وهذا الكأس يعد من الاعمال المبكرة التي نفذها كليوفراديس الذي كان نشاطه خلال الفترة من 510-470 ق.م. ، ويوجد اتفاق بين الدارسين على تاريخ الكأس بحوالي عام 480 ق.م. وهو بهذا يعد اقدم الكؤوس المكتملة التي عثر عليها في قبور اقليم قورينائية (كيرينايكي) .
لقد اختير هذا الكأس ضمن مجموعة اخرى من اللقى الاثرية والفنية  انتزعها سيف الاسلام القذافي من المناطق الاثرية  ليجعلها جزء من معرض فني متنقل بين عواصم ومدن العالم منذ عام 2002  باسم " الصحراء ليست صامتة "، حيث عرض في عدة عواصم ومدن : باريس ، برلين ، لندن ، روما عام 2002 ، وفي مدينة ميلان وجنيف بين عامي 2002- 2003، وفي فيينا ومدريد عام 2004 وآخر عرضه كان في طوكيو في اليابان في شهر ابريل عام 2005 ، وقد شهدت هذه العاصمة اختفاء هذه التحفة الفنية النادرة حيث سرق بعد نهاية المعرض وتخزين المعروضات ، ولا تعرف ظروف اختفاء هذه التحفة الفنية الرائعة  ، وهل هناك يد آثمة نهبتها عن قصد ؟.
2- إناء فخاري بمقبضين يعرف اصطلاحا باسم " Pelike" ، يبلغ ارتفاعه 32 سم ، من الفخار الاثيني ذو الصور الحمراء اي ان الأشكال المرسومة في لون احمر على أرضية الإناء التي طليت باللون الأسود ، زخرف الإناء بمشهدين كل منهما داخل شريط تزخرفه زخرفة الألسنة الصغيرة ، تمثل المشهد الأول في مطاردة بين المخلوق الأسطوري الي يعرف باسم الساتير وإحدى نساء الغابات التي تعرف باسم المياندات ، اما المشهد الثاني فصور عليه مشهد تقابلي بين رجل او شاب يستند على عصا طويلة مخاطبا فتاة مدثرة بلباسها تقابله.  وقد نسب فيكرز ومن بعده الراشدي اسلوب رسم هذا الإناء الى فنان ميونخ 2335 ، ولا تتميز الرسوم بالدقة وحرفية الفنان التي أبدعها ، ولاتزال الخطوط الأولية للرسم ظاهرة للعيان ولم يحرص الفنان على إخفائها حيث يظهر عمله جيدا ودقيقا. يؤرخ هذا الإناء من خلال طراز رسومه الى ما بعد 450 ق.م.
3- مجموعة من الأواني الفخارية الاتيكية المطلية بطلاء اسود لامع تمثلت في الآتي :
أ- سلطانية بمقبضين يطلق عليها اصطلاحا بولسال (Proto- Bolas) يبلغ قطرها 16.2 سم  ، وعرضها بالمقبضين 25.4 سم ، وارتفاعها 9.5 سم ، وقد طليت جميعها بطلاء اسود مصقول باستثناء أسفل القعر حيث توجد أحزمة حمراء اللون او من لون الطينة . ومن حيث تأريخها فان هذا الطراز من السلطانيات يؤرخ بحوالي عام 430 ق.م. بناء على شكل المقابض.
ب- كوب بدون جذر (Stèles coup) يبلغ قطره 20.4 سم وعرضه بالمقبضين 28.3 سم وارتفاعه 6.3 سم . الكوب مطلي بالكامل بطلاء اسود باستثناء قعر الكوب من الأسفل حيث تركت دوائر في لون طينة الفخار . تتميز مقبضي الكوب بان نهايتها ترتفع الى أعلى بشكل حاد ، هذا الطراز من الأكواب يؤرخ بحوالي عام 425 ق.م.
ج – حقة  تتكون من سلطانية بغطائها يطلق عليها اصطلاحا ليكانيس (Lekain) ، يبلغ قطره 11.7 سم وعرضه بالمقبضين 17.3 سم وارتفاعه 11.7 سم . الحقة مطلية بالكامل بطلاء اسود باستثناء حافة ومركز الغطاء وبقية أرضيته التي تركت بدون طلاء في لون الفخار ، إضافة الى أسفل القعر الذي ترك بدون صقل ، يؤرخ طراز هذه الحقة بحوالي 425 ق.م.
د- صحن صغير بدون مقابض قطره 9 سم وارتفاعه 3 سم ، مطلي بالكامل بطلاء اسود ، يؤرخ بأواخر القرن الخامس ق.م.
4- مصباح من الفخار الاتيكي ذو الطلاء الأسود اللامع ، طوله 10.3 سم ، ارتفاعه 2.5 سم ، مطلي بطلاء اسود بالكامل باستثناء قاعدته المستوية التي تركت في لون الفخار. يؤرخ هذا الطراز من المصابيح بالربع الأخير من القرن الخامس ق.م.
5- زوج من جرار النقل او ما يعرف باسم الامفورا ، وهي من الفخار الخشن وقد أنتجت في جزيرة خيوس الاغريقية في منتصف القرن الخامس ق.م. ، يبلغ ارتفاعها 72 سم ، إحداهما وجدت مكسورة والاخرى مكتملة.
6- قارورة اسطوانية الشكل يطلق عليه اصطلاحا " Alabastron"  ، صنعت من مادة الالباستر او ما يشبه الرخام الاصفر او الزبدي الشفاف ، يبلغ ارتفاعها 40 سم وقطر بدنها 17.5 سم ، وهي بهذا تعد من بين اكبر الاباسترون التي وجدت في العالم ، تميزت بحافتها الكبيرة المتسعة للخارج بقطر 16 سم ، وبمقبضين رأسيين بطول 10 سم على الكتف ، وشكل هذه المقابض يعد سمة قديمة (اركايك) اعيد استعمالها في القرن الخامس ق.م. وقد عثر داخل هذه القارورة على مادة جامدة في قعر الاناء ، وبعد تحليلها في المعمل اتضح انها ربما كانت جزء من مرهم او رائحة زيتية ذات اصل نباتي.
7- سلطانية نصف كروية من الزجاج قطرها 12 سم وارتفاعها 6سم ، وقد صنعت من زجاج شفاف ، وقد زخرف بدن السلطانية بحزوز افقية غائرة في شكل ألسنة تبدأ من قعرها متجهة الى كتف السلطانية ، حافتها متسعة نحو الخارج ، ويبدو ان هذا الطراز من السلطانيات الزجاجية ما هي الا تقليدا لمثيلاتها المعدنية التي صنعت من الذهب والفضة واشتهرت بها بلاد فارس في القرنين السادس والخامس ق.م.
8- يبدو ان الميت في مقبرة الصليعاية كان يتحلى بإكليل او تاج من الفضة المموهة بالذهب في شكل أوراق الزيتون وثماره ، وقد عثر داخل المقبرة على أكثر من 80 ورقة زيتون بستة إحجام مجالها من 3.2 الى 5 سم ، وقد الصقت ببعضها بواسطة شريط معدني رقيق. ويبدو ان إكليل الصليعاية من الأكاليل المبكرة التي ظلت مستعملة حتى القرن الخامس ق.م.
9- من اللقى الأخرى التي وجدت داخل المقبرة اجزاء من كاشطة برونزية ، إضافة الى زرين صنعت من العظم ربما كانت تثبت الرداء الذي يرتديه الميت عند دفنه.

وفي الختام تجدر الإشارة   ان الأثاث الجنائزي والتابوت  تدل من ناحية على غنى صاحب القبر ، ومن ناحية أخرى ربما بعض اللقى تعكس ان الميت كان رياضيا مثل الكاشطة البرونزية ، كما ان إكليل أوراق الزيتون قد يعكس تكريما للميت في احد الألعاب الرياضية التي فاز بها ، وقد كانت أكاليل الزيتون تمنح للفائزين في الألعاب الاوليمبية ، ومن المعروف ان هناك خمس عشرا فائزا في الألعاب الاوليمبية كان أصلهم من كيرينايكي منذ عام 484 ق.م. الى 189 م ، وكان أشهرهم ملك كيريني (قوريني) اركسيلاوس الرابع الذي فازت عربته في سباق العربات عام 460 ق.م. في الاولمبياد رقم 80 ، وفي ذات الاولمبياد فاز في المصارعة اميسيناس (Amnésias) من مدينة برقة (المرج حاليا) الذي اشتهر بانه كان يتدرب على المصارعة مع ثور اثناء رعيه للحيوانات ، وقد نقله معه الى بلاد اليونان وتجول عبرها رفقة ذلك الثور وفقا لما يذكره يوسابيوس القيصري ، اذاً اميسيناس كان من برقة ، والأحرى ان يدفن بعد الانتصارات التي حققها في مكان بارز في مدينته ، هذا اذا كان من سكان المدينة ذاتها ، ولكن إذا كان من سكان أرياف المدينة الذي يسكنون حول المدينة و ليس داخلها ، او  جزء من السكان الذي عرفوا عند هيرودوتوس باسم البيروكوي (Perioikoi) اي القاطنين جوار المدينة ، وهذا ينطبق على ساكن مقبرة الصليعاية التي تبعد 18 كم عن مدينة المرج (برقة القديمة) ، فمن المنطقي ان يدفن في منطقته ، وبجوار أهله ، وهذا يفسر وجود هذه المقبرة في مكان بعيد عن المدينة الأم ، ومن ناحية أخرى فان سكان الضواحي كانوا يدفنون قرب سكانهم ولا يدفنون في مقابر المدن والامثلة على ذلك كثيرة . ويبدو من المناسب ان يضاف الى انه ربما كان سكان تلك المنطقة من الليبيين الذين تأغرقوا او اخذوا بعادات الاغريق حيث دفن وفق للطقوس الاغريقية ، ويرجح الاستاذ ماسون ان اميسيناس اسم ليبي وليس إغريقي ، كما ان حرفة اميسيناس رعي الحيوانات تعزز انه لم يكن من سكان برقة بل من ضواحيها ، وهذا يربط اكثر بين المدفون في مقبرة الصليعاية وبين اميسيناس.
وهنا يفترض ان دفين قبر الصليعاية كان البطل الاوليمبي اميسيناس الذي ربما منذ شبابه تحصل على جائزة رمي القرص عند اشتراكه في الألعاب الباناثينية في أوائل القرن الخامس ق.م.دليلا على ذلك الكأس الباناثيني ، ثم فاز في الألعاب الاوليمبية في المصارعة في عام 460 ق.م. وفقا للمصادر الادبية ، ثم عاد ليعيش في ضواحي مدينة برقة الى ان وفاته المنية في الثمانينات من عمره ، ودفن في مكان قريب من أهله وذويه ، ويمكن ان يكون القبر داخل نطاق أملاكه.

ومما يؤسف له ضياع مكان المقبرة بعد ردمها منذ بداية السبعينيات ومن ثم فقدان مقبرة إحدى الشخصيات المهمة في تاريخ برقة والإقليم برمته ، وحتى ان كانت المقبرة لاتنسب لشخصية مهمة فكان الأحرى ان يحتفظ بالمقبرة و لا يتم ردمها ، واذا كانت هناك ضرورة لردم اي من الاثار بسبب التطورات العمرانية او المشاريع التنموية فيجب ان تترك علامة او لوحة تشير الى الأثر وماهيته بعد ردمه ، واذا كان هذا لم يطبق في مقبرة الصليعاية فالأجدر ان يطبق على المعالم الأثرية التي يضطر المنقبون لردمها بعد استكمال الحفر بها.



ليست هناك تعليقات: